أنتم شهداء الله في أرضه (نورة المشيقح-رحمها الله) أنموذجاً

 

د.عبدالعزيز بن حمود المشيقح

18 ديسمبر 2022

ما كان لي أن أكتب عن والدتي المرحومة-بإذن الله- فمهما جرى قلمي فلن أوفيَها حقها؛ فهي الأم،والروح، والحنان، والرؤوم، والحب، والصدق،وكل معاني النعيم في الحياة.
ولكني أكتب هذه الأسطر لأجيالٍ من نسائنا الفضليات وبناتنا الغاليات للاستفادة من سيرة أولئك الأوائل من الآباء والأمهات،ذلك الرعيل الأول من نساء هذا المجتمع الفاضل.
والدتي أم عبدالرحمن (نورة بنت صالح بن عبدالرحمن المشيقح) إحدى نساء مجتمع القصيم – بريدة اللاتي عشن الزمن الماضي قبل الكهرباء، فهي من المخضرمات اللواتي عشن الماضي والحاضر بكل جديده.
ولدت -رحمها الله-عام 1352 للهجرة، توفي والدها وعمرها 4 سنوات في وقتٍ كان الفقر والبساطة سائدين في ذلك المجتمع.
تزوجت من ابن عمها الشيخ (صالح العبدالعزيز المشيقح- رحمه الله)،إذ كان عمرها 14 عاماً، حيث توفي عنها في العام 1378هـ؛فتزوجت بعد ذلك أخاه الشيخ(حمود بن عبدالعزيز المشيقح-رحمه الله) الذي توفي عنها في عام 1409هـ.
وقد أنجبت منهما ستة أبناء وأربع بنات سخرهم الله لخدمتها ووفقهم لذلك؛ كما كانت هي في خدمة أمها وزوجيها جزاءً وفاقاً!
وكان من حياتها أن تعايشت مع نساء أزواجها في بيوت (عبدالعزيز المشيقح- رحمه الله) الكبرى التي يسكنها قرابة(250 فرداً)،فما عرف عنها إساءة لضراتها،وإنما كانت صابرة محتسبة، حيث كانت تحمل عبء يوم كامل في هذا المنزل الكبير مثل غيرها، رغم صغر سنها- رحمها الله .
أحدثكم عن مصلاها الذي كانت تجلس فيه تصلي راكعةً ساجدة،فكانت تُمضي ما يقارب من 70% من حياتها؛ حتى اعتقدنا أن حياتها كلها ركعات وسجدات لله،في أول الليل، وفي آخره، في الصباح والظهر،حتى صار هذا ديدنها وهِجّيراها.
أحدثكم عن حياتها والقرآن، فهي حياة عجيبة؛حفظت اثني عشر جزءاً من كتاب الله وقد شارف عمرها الستين عاماً، والعجب داخل العجب أنها كانت لا تقرأ ولا تكتب؛ لكنها الإعانة من الله !
أحدثكم عن ارتيادها حلق الذكر في دار البيان،أو دار الهدى،فقد تجاوز عمرها السبعين عاماً،وهي ترتاد حلق القرآن الكريم،بل وتقدم لهم وجبة العشاء كل يوم إثنين!
أحدثكم عن نُصحها وإرشادها لكل مَنْ يجالسها،فحياتها ذكر لله، أمر بالمعروف،نهي عن المنكر، حِرصٌ على الحشمة والعفّة، لبس للعباءة الفضفاضة واللباس الساتر، حتى كان من منهجها أن كانت تذكر الصغيرات في لباسهنَّ، فكانت تنهى عن لباس البنطال،أوما يكشف عن الذراعين للنساء البالغات.
أحدثكم عن كرمها الذي اُشتهرت وعرفت به،حتى قال البعض:بنت (الدِّحيم) لو تُصبح ومعها مليون ريال لوزعته،وما أمسى المساء ومعها منه ريال واحدٌ !!
أحدثكم عن بيتها ومطبخها ومستودعاتها ومجالسها التي أصبحت مُعدّة لكل محتاج وفقير يطرق البيوت سائلاً طالباً!
أحدثكم عن وجاهتها وحسن استقبالها فقد وفد لمنزلها العلماء والوجهاء والوزراء وما سمعت بعالم،أوداعية زار المنطقة إلاطلبت أن تقدم الضيافة له بمنزلها!
أحدثكم عن أدعيتها المسيطرة على لسانها لكل من زارها أو اتصل بها،حتى أحب الجميع زيارتها؛لما يسمعون من حسن دعائها لهم!
أحدثكم عن النظافة والترتيب، وحسن جمال المنزل،وأنها كانت تدفع ولا تبخل لتظهر بأحسن حله هي ومنزلها،وأنها كانت تأكل من الطيبات ومما أحل الله بلا بخلٍ أو إمساك، ففي منزلها ستة مجالس أعدتها لكل من يفد إليها!
أحدثكم عن بذل الخير؛فقد ساهمت ببناء المساجد والجوامع،كان آخرها الجامع الكبير بحي المشيقحية ببريدة،وكانت لها أوقاف في أعمال البر.
أحدثكم عن بُعدها عن أجهزة التقنية الحديثة وهجرها للقنوات فلا تشاهدها؛ غضاً لطرفها عن الرجال!
أحدثكم عن قصصها لأبنائها وبناتها ومتعة التاريخ والحكايات الشعبية والأشعار وعلوم (الأولين)،إذ إنك لا تملُّ حديثها.
هل يا ترى يكفيني أن أقول: هي امرأة بألف رجل؟أعلم أنّ شهادتي في أمي مشكوك فيها،ولكنها مع الموت لا تكون، وإنما هي الحقيقة الناصعة، فسيرتها عاطرة،فهي نموذج من ذلك الجيل من نساء الرعيل الأول،رحمها الله وغفر لها وأعاننا على برها بعد وفاتها،وجبر مصابنا في فقدها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.