هل تعلم أن كل الصور التي تأخذها بهاتفك الآن هي من إنتاج نظام هذا المبدع الجزائري

 

هل تعلم أن كل الصور التي تأخذها بهاتفك الآن هي من إنتاج نظام طوره هذا المبدع الجزائري الذي يظهر في الصورة؟ هل تعلم أن ما تشاهده على “اليوتيوب” هو قائم على نظام طوره هذا العالم الشاب ؟ الدكتور رياض بغدادي.. بدأ التَعَلُّم من مدرسة قرآنية ووصل إلى أفضل جامعة في العالم “معهد ماساشوستس للتكنولوجيا” (MIT) بالولايات المتحدة هو اليوم عالم في الذكاء الاصطناعي وأستاذ بجامعة نيويورك..

  • بداية عن رحلتك العلمية التي قادتك من الجزائر إلى أميركا؟

بدأت قصتي مع علوم الحاسوب قبل التحاقي بالثانوية وكان الفضل في ذلك لأخي الذي غرس في داخلي حب هذا التخصص.. وتمثلت أولى الخطوات في تعلم البرمجة من خلال قراءة الكتب والبحث عبر الإنترنت وتمكنت قبل إتمام دراستي الثانوية من تعلم عدة لغات برمجة وكتابة الكثير من البرمجيات بما فيها ألعاب بسيطة.

وبعد استكمالي لدراسة الثانوية بالجزائر، التحقت بالمدرسة الجزائرية العليا للإعلام الآلي حيث حصلت على شهادة مهندس في علوم الحاسوب، وخلال هذه السنوات قمت بنشر 3 أبحاث، كان أولها وأنا طالب في السنة الثانية بالجامعة، وقد ساعدني هذا كثيرا فيما بعد على الظفر بمنحة لمواصلة دراسة الماجستير والدكتوراه بجامعة السوربون بفرنسا. وبعد إتمامي الدكتوراه توجهت إلى بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية حيث عملت هناك باحثا في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT).

  • كيف كانت تجربتك في معهد ماساشوستس؟

كانت تجربة رائعة وراقية جدا حيث تمكنت خلال هذه الفترة من تطوير لغة برمجة جديدة تدعى تيراميسو (Tiramisu)، الهدف منها هو تسريع برامج الذكاء الاصطناعي لكي تعمل بكفاءة أعلى في الهواتف النقالة.

وقمت أيضا بالعمل على لغة برمجة جديدة تدعى هاليد (Halide)، وهي لغة تستعملها شركة غوغل حاليا في كتابة برامج معالجة الصور والفيديو في اليوتيوب وفي الهواتف النقالة. هذه التقنية مستعملة حاليا في كل الهواتف النقالة من طراز أندرويد حيث إن كل واحد من القراء عندما يقوم بأخذ صورة عبر هاتفه النقال، تلك الصورة يتم تحسينها بشكل أوتوماتيكي عن طريق هذه التقنية.

وبالإضافة إلى عملي في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، التحقت مؤخرا بجامعة نيويورك للعمل كأستاذ باحث، حيث أواصل العمل مع فريق بحثي في نفس المجال، ومن هناك انتقلت مؤخرا لجامعة نيويورك بأبو ظبي كأستاذ لفترة قصيرة.

  • ما آفاق الذكاء الاصطناعي في الغرب وفي الوطن العربي؟

نعيش حاليا ثورة كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي ستغير عالم التكنولوجيا في السنوات المقبلة. ويوجد تنافس محموم بين الشركات والدول الكبرى للسيطرة على هذا المجال، ذلك أن من يتحكم في تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم سيمتلك حصة كبيرة من اقتصاد الغد الذي سيكون مبنيا على الذكاء الاصطناعي.

وهناك على وجه الخصوص، تنافس كبير بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، والكفة حاليا تميل لصالح الصين حيث إن عدد الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي للسنة الماضية في الصين بلغ 250 ألفا مقارنة بـ150 ألف بحث في الولايات المتحدة.

وفي العالم العربي لا شك أننا تقدمنا في هذا المجال ولدينا جامعات وباحثون متميزون جدا، ولكن ما زلنا لم نلحق بالدول المتقدمة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.

  • الكثير من طلبة علوم الحاسوب يفضلون دراسة تخصص الأمن السيبراني بالرغم من أن تخصص الذكاء الاصطناعي له آفاق واعدة، كيف ترى ذلك؟

صحيح. لا شك أن مجال الذكاء الاصطناعي مهم جدا، ولكن هناك الكثير من مجالات علوم الحاسوب التي تعتبر ذات أولوية بسبب حاجتنا الكبيرة لها وخصوصا في العالم العربي.

تخصصات البرمجة، والشبكات والأمن السيبراني هي تخصصات تقليدية، ولكنها مهمة جدا حيث إننا نعاني نقصا في المختصين فيها. والأمن السيبراني بالذات مهم فهو التخصص الذي يسمح للشركات والحكومات بحماية بيانات المستخدمين، وأي خطأ في الحماية له عواقب وخيمة حيث إنه سيعرض بيانات ملايين المستخدمين لخطر القرصنة.

وهناك جانب آخر مهم في تحديد أولويات الطلاب وهو احتياجات سوق الشغل، فتخصص الأمن السيبراني يتميز بفرص عمل كثيرة في عالمنا العربي مقارنة بالذكاء الاصطناعي الذي ما زال لا يوفر الكثير من فرص العمل، وربما يحدث ذلك في المستقبل لكن اليوم الأمن السيبراني هو المجال الأكثر توفيرا لمناصب الشغل، ولذلك ترى الطلبة يفضلون التخصص فيه لضمان مستقبلهم المهني.

  • بالموازاة مع نشاطك الأكاديمي، أنت تنشط أيضا في مجال نشر الثقافة العلمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، حدثنا عن تجربتك هذه؟

فعلا قمت قبل بضع سنوات بإنشاء صفحة على الفيسبوك باسم “د. رياض بغدادي”. الصفحة تركز على نشر الثقافة العلمية وجمهورها أساسا من الطلبة الجامعيين، وهي تضم اليوم حوالي 100 ألف منخرط، حيث احتفلنا ببلوغنا هذا الرقم قبل أيام.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، وصل عدد مرتادي الصفحة إلى أكثر من 12 مليون شخص، وهو ما يؤكد اهتمام الشباب بهذا النوع من المحتوى، ويؤكد أن العلوم والثقافة العلمية مجال جذاب، لا يزال يستقطب إليه الشباب الشغوفين بالعلوم والتكنولوجيات.

ما المواضيع التي تتناولها صفحتك، وهل هي متخصصة أو هي موجهة للجمهور العام؟

مواضيع الصفحة متنوعة ولكنها تصب في جانب نشر الثقافة العلمية، وتحفيز الشباب على التميز العلمي وطلب العلم. فمن بين الأركان التي تتأسس عليها صفحتي هي سلسلة من المحاضرات العلمية المتخصصة، وقد كان آخرها محاضرة في مجال معالجة الصور، وهو أحد فروع الذكاء الاصطناعي وقد كانت من تنشيط الدكتور الجزائري عباس شداد، وهو باحث وأستاذ مشارك بإحدى الجامعات السويدية في مجال معالجة الصور.

ومن بين أركان الصفحة أيضا، سلسلة لقاءات مع شخصيات علمية مميزة بعنوان “نخبتنا”، الهدف منها تحفيز الشباب على الاهتمام بالعلوم والمثابرة في تحصيلها.

مثلا في إحدى حلقات هذه السلسلة تمت استضافة الباحث الجزائري بالولايات المتحدة د. بلقاسم حبة، صاحب الـ1500 براءة اختراع، للحديث عن تجاربه في إطلاق الشركات الناشئة. الصفحة تمثل أيضا نافذة لإطلاق مبادرات ومشاريع علمية، منها مثلا مشروع لدعم اللغة العربية، حيث قمت بالتعاون مع متطوعين من متابعي الصفحة على تطوير نظام ذكاء اصطناعي خاص باللغة العربية (جمع البيانات لتطوير النظام).

هذا النظام يقوم بتحويل الكلام المنطوق باللغة العربية (أصوات) إلى جمل مكتوبة، وهو من التطبيقات واسعة الاستخدام في الهواتف النقالة، ويدعم جيدا اللغة الإنجليزية، ونريد تحسين دعمه للغة العربية.

هل لديكم مشاريع جديدة في المستقبل لتحسين محتوى الصفحة؟

أنا أعمل حاليا على إعداد سلسلة جديدة تحاول الإجابة عن سؤال “كيف تنهض أمتنا؟”، وهو سؤال كبير وعميق طرحه كثير من العلماء والمفكرين وما زال مطروحا، وسأحاول من خلال هذا الركن استضافة علماء للحديث في هذا الجانب. وأُحضر أيضا لإطلاق دورة تدريبية مجانية موجهة للشباب والطلبة العرب، الهدف منها تحفيزهم على التميز في مجال البحث العلمي.

لديكم أيضا نشاطات خارج الفضاء الافتراضي، حدثنا عنها؟

نعم، قمت مثلا بالمشاركة في تأسيس جمعية “امتياز”، وهي جمعية وطنية تهدف إلى تحفيز الطلبة على التميز في مجالهم، وخلال السنوات الماضية قمنا بتنظيم أكثر من 10 مؤتمرات استضفنا فيها أكثر من 100 مختص تحدثوا للطلبة في مجالات اختصاصهم، وعن كيفية التميز في تلك المجالات، استفاد من هذه المحاضرات أكثر من ألفي طالب عبر 10 جامعات جزائرية.

والعمل ما زال متواصلا، وسنقوم مستقبلا بتنظيم المزيد من المؤتمرات والفعاليات العلمية لصالح الطلبة ونتوقع أن يكون المستقبل بزوال فيروس كورونا أكثر إشعاعا.

الكثير من الباحثين العلميين لا يسهمون في نشر الثقافة العلمية، ربما لضيق وقتهم أو لأسباب أخرى، ما تعليقك وكيف تمكنت أنت من الاشتغال في هذا الجانب؟

فعلا، ضيق الوقت هو العائق الأساسي في مثل هذه المشاريع، بالنسبة لي نشر الثقافة العلمية أولوية حتمية فأمتنا لن يكون لها مستقبل إذا لم تتحكم في العلوم.

فاقتصاد الدول الآن مبني على العلوم والتكنولوجيا، وإذا أخذنا الولايات المتحدة كمثال، فنصف اقتصادها اليوم مبني على تقنيات تم تطويرها خلال الـ40 سنة الماضية، كذلك الحال بالنسبة للجيوش، فقوام أقوى الجيوش اليوم هو الأسلحة المتطورة التي تصنعها.

ولا مكان لأمتنا في المستقبل أبدا من دون التحكم الكامل في العلوم والتكنولوجيا، وبالتالي ورغم ضيق الوقت أحاول تخصيص وقت أسبوعي ثابت للعمل على نشر الثقافة العلمية، فالموضوع بالنسبة لي ذو أهمية بالغة.

كيف ترى أداء العلماء في نشر الثقافة العلمية في العالم العربي بصفة عامة، وما الإيجابيات وما السلبيات؟

هناك جهود كثيرة وكبيرة يبذلها الكثير من العلماء والباحثين العلميين لنشر الثقافة العلمية ولكن ما زلنا نعاني نقصا كبيرا. ومن أبرز ما يعوق تقدمنا هو “وجود فوضى في عالم الأفكار”، أي في الأفكار السائدة داخل المجتمعات العربية أو ما يسمى بالوعي الجمعي. فمثلا، الشاب العربي، عكس الشاب الغربي، لا يقرأ، سواء في مجال تخصصه أو خارج مجال تخصصه وهذا راجع لضعف ثقافة القراءة في مجتمعاتنا.

فالشباب عندنا أغلبهم لا يسعون لتطوير أنفسهم، ولا يهتمون بالتحديات الكبرى التي تحيط بأمتنا.. هذه المشاكل وغيرها لها أسباب كثيرة ولعل أهمها فساد عالم الأفكار. أي أن هؤلاء الشباب يحملون أفكارا خاطئة تجعلهم يتصرفون تلك التصرفات الخاطئة. والإعلام من أكثر الأدوات فعالية في إصلاح تلك الأفكار الخاطئة. وكل جهد مبذول في هذا الجانب سيعود بنفع كبير على تقدم أمتنا نحو الأمام.

بماذا تنصح الطلبة الراغبين في التخصص في الذكاء الاصطناعي؟

هو مجال مهم جدا وله مستقبل واعد. والتقنيات التي ستحكم العالم في المستقبل يتم تطويرها اليوم، ولدى الشباب فرصة ذهبية للمساهمة في تطوير تلك التقنيات.

وكل ما يحتاجه الطلبة من كتب ودروس متوفر مجانا على الإنترنت، فما عليهم إلا الكد والجد ليكونوا من المتميزين. وأهم استثمار يستثمره الشباب في أنفسهم اليوم هو تعلم مهارات جديدة، فهذه المهارات ستعود عليهم بالنفع طيلة حياتهم، وهي التي ستصنع الفرق بينهم وبين غيرهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.