صناعة المعاقين .. !!

 

سلمان بن محمد العمري

 

 

 

 

 

 

 

 

15 أكتوبر 2022

استمعت واستمتعت وأنا أشاهد مقطعًا من لقاء أحد رجال الأعمال الكويتيين وفيها يتحدث عن تجربته في تربية ابنه، وكيف أنه وظفه في عدة وظائف بشركتهم بداية بالمراسل ومرورًا بإدارة مكتبه، ولم يسلمه أي مسؤولية إلا بعد سنوات من العمل والصبر تحت كافة الظروف والضغوط، ومما سمعته من أحد رجال الأعمال – رحمه الله – ما نقله عن التجار الحضارم بأنهم يطلبون من أبنائهم أن يعملوا لدى الآخرين كـ»صبيان» وعمال، ولا يعملوا في البداية مع أهلهم حتى يتأقلموا ويعتادوا العمل والمشقة وفق كافة الظروف.

وأتذكر -أيضًا- مقولة للشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- في سوء تربية الأبناء حيث يقول: بعد الشدة التي تربينا نحن عليها، صرنا نخاف على أبنائنا من تأثيرات القسوة، وبتنا نخشى عليهم من العوارض الطبيعية كالجوع؛ فنطعمهم زيادة ونتركهم كسالى نائمين، ولا نوقظهم للصلاة، ولا نحملهم المسؤولية شفقة عليهم، ونقوم بكل الأعمال عنهم، ونحضر لوازمهم، ونهيئ سبل الراحة لهم، ونقلل نومنا لنوقظهم ليدرسوا…؛ فأي تربية هذه؟ ما ذنبنا نحن نتحمل مسؤولياتنا ومسؤولياتهم، ألسنا بشرًا مثلهم؟ ولنا قدرات وطاقات محدودة؟.

إننا نربي أبناءنا على الاتكالية وفوقها على الأنانية إذ ليس من العدل قيام الأم بواجبات الأبناء جميعًا وهم قعود ينظرون!!؛ فلكل نصيب من المسؤولية، والله جعل أبناءنا عزوة لنا، وأمرهم بالإحسان إلينا، فعكسنا الأمر وصرنا نحن الذين نبرهم ونستعطفهم ليرضوا عنا !!.

ولأن دلالنا للأبناء زاد عن حده انقلب إلى ضده وباتوا لا يقدرون ولا ينتهون ويطلبون المزيد!، وهذه التربية تفقد الابن الإحساس بالآخرين (ومنهم أمه وأبوه)، ولن يجد بأسًا بالراحة على حساب تعبهم وسهرهم، وإنني أتساءل ما المشكلة‎ لو تحمل ابنك المسؤولية؟ ماذا لو عمل وأنجز وشعر بالمعاناة وتألم والدنيا دار كد وكدر، ولا مفر من الشقاء فيها ليفوز وينجح، والأم الحكيمة تترك صغيرها ليتحمل بعض مشاقها وتعينه بتوجيهاتها وتسنده بعواطفها، فيشتد عوده ويصبح قادرًا على مواجهة مسؤولياته وحده.

انتهى كلام الشيخ علي الطنطاوي الذي مضى عليه أكثر من سبعة عقود من الزمن، ولو أدرك الشيخ الطنطاوي زماننا هذا لعصب رأسه وكتب بمداد الدموع عن سوء التربية وصناعة المعاقين في منازلنا؛ فالصغار والكبار من البنين والبنات توفر لهم جميع الخدمات بالمنزل ويصل الأكل إلى غرفهم ولا يرتبون فرشهم، ولا ينظفون ملابسهم ويتركونها وباقي الطعام متناثراً في غرفهم، ولا يكلفون أنفسهم بإحضار الماء وغسل صحن أو طبق…؛ فكيف سيكون حال هؤلاء مستقبلاً وقد اعتادوا مع الاتكالية والأنانية، لا يقضى لوازمه فضلًا عن لوازم أهله وأسرته وجل وقته في غرفته أو غرفتها وبين يديه أو يديها الهاتف المحمول أو أمام جهاز الكمبيوتر ومع الألعاب الإلكترونية، ويتصرفون في المنزل وكأنهم نزلاء فندق أو ضيوف، وهذا الإهمال والتقصير يتحمله الوالدان في سوء تربيتهم وتأسيسهم على الاتكالية، الحياة مدرسة ولابد من تعويدهم على خدمة أنفسهم والاعتماد على ذاتهم وعدم الاتكالية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.