إقصاءُ منظّم – عبير اسبر

17 سبتمبر 2023

عبير داغر اسبر – روائية سورية

لم تنتظر الشام أن أتركها بلباقة، إذ بدأ كل ما فيها يمارس عملية إقصاء منظم، ليلها تقلص، انمسخ مثل قميص قطني سيء التصبيغ، النهار الخريفي الموحش بَرُد كفجر طويل، رياح الساعة الخامسة مساءً التي سفلتت الأرصفة بالغبار والوحشة لم تترك للساكنين غير زنقة البيوت والغم المنذر بالأسوأ، العتم المثقب بأصوات الرصاص لم يعد يفتح كوى للضوء إلا بأصوات القذائف القريبة.
ومع هذا، لم يكن الخوف ما نفاني خارج البلاد، إذ فقد الخوف معناه وأصبح لاشخصياً، بعد أن تداوله الكل، خاف العسكر على طريقتهم، ففي النهارات النعسة، وبدل أن يتأهبوا صاروا يشربون المتة بملل على إسمنت حواجزهم، ويحملون في كثير من الأحيان أكياس البوشار أو يأكلون البوظة، ومع اقتراب الليل يتوفز كل ما فيهم فيطلبون منك بذوق وصوت منخفض أن تطفئ ضوء السيارة خوفاً من القناصة.
خفنا نحن، وبطريقة مستفزة لأنفسنا، صار المطلوب منّا إثباتات الشجاعة، فنمشي مع الأصدقاء أو وحيدين ونلتقط الصور ليلاً في طرقات الحميدية، أو بسوق ساروجة بجنون غير مطلوب ولا مرغوب به، وفي شجاعات نادرة، نعود من نادي الصحفيين ممتلئين بالبيرة غير المسكرة في موات الساعة الحادية عشرة ليلاً، سعداء بشجاعتنا ومغمومين من الأزقة الخالية إلا من المجانين أمثالنا، وكل هذا لم يكن مقنعاً لي كي أغادر..

قبل شهر من قرار الرحيل اقتحمت “شلة” منزلي المستأجر بلباس غير بروتكولي فيه خلطة من “بروتيلات مليشياتية سوداء، وبنطلونات مموهة و قمصان مملحة بعرق زنخ وأسلحة تعرض بفخر، تتشمم الزوايا بحثاً عن اللأحد،”الشباب” شربوا القهوة، وشربت معهم ضحكاتي البلهاء، وما أفزعني بحق لم يكن ذاك الاقتحام، بل تلك الكوميديا عندما سُألت من أحدهم عن عملي، فقلت وأنا أرتدي بيجاما مقلمة عرضاً وطولاً، وبحالة دفاع عن النفس أنّي روائية، ثم خرست تماماً عندما سُألت إن كنت قد كتبتُ عن الوطن..
“طبعاً كتبتي عن الوطن”؟! ظل السؤال يطنّ كجرس كنيسة في مأتم، حملته معي حتى كوابيسي والعرق البارد يتصبب مني كنهر، في تلك الليلة التي التحفت فيها جسد حبيبي للمرة الأخيرة، أدركت برعب أن تهمتي الكافكاوية التي سأعتقل بسببها لن تكون أرائي المخفية بعناية جبان، بل لأني لم أكتب في رواياتي عن الوطن!\

3

في ليلة الرحيل، أعلن الجيش الحر معركة دمشق الكبرى، دخل صاروخ ثلاثة بيوت في ساحة جورج خوري، لكن انفجار الطلياني هو ما حملته معي، فالمدينة المتفسخة، المتحفظة، المتأسلمة دون دليل غفرت كل شيئ، في ذاك المساء، على بعد دقائق من وداع جسدين تم على عجل في بيت بارد بلا طعام في براده ولا كتب على رفوفه، بخوف لا منطق يبرره سوى أنه اشتم الخطر، نزلنا من البيت مطرودين، دون أن يطردنا أحد، نجر وداعنا خلفنا أنا والحبيب المغدور، في الطريق، على مشارف السابعة مساءً تجمد الوقت، وقع انفجار الطلياني، صوتين متتاليين بينهما ثانية فقط، قلعانا من مكانينا، تجلى الخوف بصورة سينمائية، حيث ثُبتنا في الأرض، صمتنا، لم نهرب، لم نزعق، لم نشهق، فقط سمعنا الانفجار، تعانقنا، بعد ثانية، لحقه انفجار آخر، ازداد عناقنا اندغاماً، ركض البشر من حولنا، لاحقتنا النظرات المشفقة، والفضولية والغفورة، تركنا العناق خجلين، ضحكنا كي نتدارك الارتباك..
“أنا خفت” أخبرته..
“أنا كمان خفت حبيبتي” مع آخر خوف شامي الطعم، تركت البلاد، تركت الحبيب، لم أحتفظ إلا به وطويلاً.. الخوف.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.