ميراث أب

 

فاطمة بنت مسفر الجعيد

في زمن كان يُعد فيه إنجاب البنات حدثًا غير مبهج!
وفي وسطٍ كان يرى في حتمية تزويج البنت، مقدمًا على تعليمها!
كان ذلك الأب العظيم، راعيًا لثمان بناتٍ، وابنين؛ مختلفًا عن محيطه بشخصيته العصامية، بفكره الثقافي، بفصاحته، وبلاغته التي أورثته إياها أمهات الكتب، ونوادر أديباتها، وبولعه بالتاريخ، وقوة احتفاظه بأحداثه التي عاصرها، وشارك فيها؛ أو اطلع عليها ليروي شغفه المعرفي، حتى غدا وجيهًا في المجالس، وأنيسًا لطالبي الرفقة في الأسفار. كان اهتمامه بالعلم والمعرفة علامة فارقه تميزه، وكانت نظرته البعيدة المدى، تدفعه ليكون تعليم بناته الجامعي غايةً لا يقبل الجدال فيها، لإيمانه بأن الشهادة هي: الاستقلالية. وبها يكون صناعة المستقبل – بعد مشيئة الله- وكانت تلك قضيته التي ناضل كثيرا لأجلها، وتحمل في سبيلها تبعات اختلاف وجهات النظر، والموروث القبلي السائد آنذاك. معتزا -كان- ببناته، يلقب حتى أخر أيامه بابنته الكبرى رغم وجود الابن! مختلفًا في أسلوب تربيته، يمنح الثقة حتى يجعلك تستشعر المسئولية، وتألف الرقابة الذاتية. يغدق الحنان رغم تيتمه صغيرًا! يقدس العلم، يجلُ العلماء، والأدباء؛ يقتني الكتب، ويحتفظ بها، ويوليها عنايته؛ كأثمنِ كنزٍ يحتفظ به. ولعل أقوى محفز للأبناء على القراءة، هو التواجد اللائق بالكتب، والعلاقة الحميمية التي تجمع الأبوين بها؛ ويرسخ هذه القاعدة الأمير بدر بن عبد المحسن في أحد لقاءاته متحدثا عن تأثير والدته عليه وعلى تكوينه الثقافي من خلال اهتمامها بالكتابة وقراءة الأدب والروايات بقوله: “حينما يكون أحد الأبوين قارئا ينشأ 40% من الأبناء على حب القراءة”. انعكاسات ماكان يتمتع به من تفرد في الشخصية واعتزاز بالذات تشربته شخصياتنا بتفاوت، فأصبح كلُ منا امتدادًا له، فيما ورثناه عنه من توجهات إيجابية بالفطرة.
رحل ذلك الوالد الغالي مبكرًا (بداية عام هجري). رحل؛ وباتت تلك النهاية تجدد فينا بدايات ملهمة للحياة في أجمل صورها.
ورغم أنه رحيلٌ مبكرٌ، لكنه خلف أبناءً وبناتٍ يستطيعون – بحول الله – أن يقفون جيدا على أقدامهم من بعده. يقفون أقوياء ماديًا، ومعنويًا؛ وهو ما يحتاجه الأبناء بعد رحيل مربيهم، وعائلهم.
بداية كل عامٍ استنهضُ همتي، أستعيدُ إنجازاتي لعامي السابق، ومعها تستفيقُ في ذاكرتي تلك الصور المحفزة: نظراتك، ابتسامتك، كلماتك -التي تطربني- حال رؤيتك لشهادات تفوقي، وتوقيعك عليها الذي كنت أراه وسام فخرٍ بك، وتراه تتويج لطموحك فينا. بداية كل عام أجددُ العهد، بأن أكون ابنتك التي كنت تفاخر بها في مجالسك، أن أكون قدوةً لك في أبنائي ومحيطي. أتمثلُ تفردك الفكري، شغفك المعرفي، صناعتك للوجود الحياتي، والجوهر القيمي. ما أصلتُه فينا بالأفعال، مازال يثمرُ، حرصك على الصلاة في أوقاتها، رمضان، وعشر أواخره، ذي الحجة وأوائل عشرها، حرصك على الشعائر، وكل ما كان يترجم لنا مخافة الله لايزال باقيا أثره وممتدًا. سأكتبك -يا والدِي- في كلِّ انجازاتي، وأجير كل نجاحاتي لك. يامن كنتَ المعلم الأول، وسأدعو الله أن يجعل ثواب كُلِ علمٍ أتعلمُهُ، وأعلمُهُ لوجهه خالصًا، ثم لك يصلك حيثُ كنت، وينير ظلمات مرقدك.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.