لا أحب الآفلين .. نظرية علمية أم أسطورة دينية !!

 

د.منى بنت علي الحمود

“ابدأ من حيث انتهى الآخرون”..
من أشهر العبارات التي تحتفي بها العديد من الأدبيات ضمنيا أو بشكل مباشر كأغلب أدبيات البحث العلمي..وهي عبارة بريئة لايُقصد في سياقها إلا راحة متلقفيها من عناء البدايات وتوفير الوقت والجهد عليهم، فهي تأتي من فكرة مؤداها أنه من العبث أن تبدأ من (الصفر) في ظل وجود معطيات وحقائق سابقة يمكن البناء عليها..غير أني لا أنزح إلى هذه الفكرة جملة وتفصيلا، فللقطيعة المعرفية نكهة مختلف لا يعرف مذاقها إلا من هو متمرد على كل مألوف..فالأهم كيف نبدأ وبأي اتجاه وليس من أين نبدأ؛ كانت أول “قطيعة معرفية” عرفها التاريخ هي عندما أطلق سيدنا إبراهيم عليه السلام لفكره العلمي العنان، ليضع العديد من الفرضيات ويدحظها بالبرهان والمنطق الذاتي بعيدا عن أي نقطة انطلاق سابقة ..
وقد أصبحت الدعوى إلى القطيعة المعرفية عند الحداثيين مع التراث المعرفي هي الوصفة السحرية للنفاذ من سيطرة الماضي على حاضرنا ومستقبلنا والخروج  من بوتقة التخلف التي نعيشها اليوم، وذلك من خلال الأخذ بعقل الحداثة والذي يزعم بأن العلم الحديث مصدره الوحيد للمعرفة..ظهرت فكرة القطيعة المعرفية  لأول مرة في أواسط  القرن العشرين في أوروبا؛ كإحدى تداعيات الثورات العلمية التي شهدها ذلك القرن؛ ويرجع الفضل في ظهور هذا المصطلح (القطيعة المعرفية) إلى الفيلسوف الفرنسي، ذلك الذي يمكننا تسميته أكثر الشعراء فلسفة، والفيلسوف الأكثر شاعرية” غاستون باشلار” Gaston Bachelard (1884 – 1962)  حيث اهتم بفلسفة العلوم في الجزء الأول من حياته ثم تحول إلى دراسة التخيل الشاعري وفلسفة الجمال والفن، وسيتم الحديث عنه بمشيئة الله في مقالات أخرى لاحقا، ويذهب “باشلار” إلى أن القفزات النوعية في العلوم لا تحصل إلا بالقطيعة مع العلوم السابقة، مخالفا بهذا المسلك ما جاء به رواد الفلسفة الوضعية القائلين بسير العلوم  بخط تصاعدي، فتطورها ونموها يكون بالتراكم والتواصل من النقص إلى التمام .. حيث ترأس “أوجست كونت” الفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر الميلادي، وجاء بفرضياته التي تشير إلى أن العقل أو التفكير الإنساني يترقى في إدراكه للمعرفة بكل فروعها من الدور الثيولوجي (الديني أو اللاهوتي) إلى المستوى الميتافيزيقي، وأخيرا إلى الدور الوضعي أو العلمي، والذي يبدأ فيه العقل بتفسير الظواهر تفسيرا عليا من أجل الوصول إلى القوانين الواقعية الثابتة والأحكام المطلقة.. وقد خلفت الفلسفة الوضعية من السلبيات والإيجابيات في مجال العلم، ما لسنا بصدد الحديث عنها الآن في هذه الورقة.
وبالرغم من أن الحديث حول القطيعة المعرفية عند “باشلار”  إنما كان في حقل العلوم التطبيقية، إلا أن الفكرة سرعان ما انتقلت إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية على يدي الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو”  (1926 -1984 ) والذي اعتبر أن الإنسان لم يكن موجودا قبل القرن الثامن عشر، بمعنى أنه لم يكن هو منطلق التفكير الأساسي ولا هدفه، أي أن تفكير الإنسان كان لاهوتيا، سلطويا فلم يكن إنسانيا ولا للإنسان.. أما أستاذه ” لوي ألتوسير” (1918 – 1990) فقد انقطع لدراسة “كارل ماركس” فقسم حياته الفكرية إلى ثلاثة مراحل بدأت بالتبعية لـ “هيجل” وانتهت بكهولته والتي اتسمت بالاستقلال وقطع صلته الإيديولوجية بالفلسفة الألمانية، حيث تبنى مفارقات علمية ونظرية مغايرة .. بالإضافة إلى مؤرخ العلم الأمريكي “توماس كوهن” (1922-1996) والذي أخذ يبرهن على أن التطور المعرفي ليس بالضرورة تراكميا وتدريجيا، وإنما قد يتأتى من ثورات معرفية يتغيير فيها نسق البحث وآلياته فجأة .. وفي هذه الأجواء يلمع نجم الفيلسوف النمساوي والذي كان من أبرز أعداء النزعة الاستقرائية “كارل بـوبر” popper K.- 1902-1992″.
ومن الحاضنة الغربية انتقل هذا المفهوم ليحط رحاله في الثقافة العربية التي ظهر فيها مصطلح “القطيعة المعرفية” في مفارقاتهم ومقارباتهم في التراث العربي الإسلامي، والذين كانوا يدعون إلى القطيعة مع هذا التراث بدعوى أنه وراء أزمة التخلف التي تعيشها الأمة اليوم .. وكان من أبرزهم كلا من المفكر الدكتور اللبناني  حسين مروة    (1910 – 1987)والجزائري محمد أركون(1928 – 2010) ، والمصري حسن حنفي  (1935) و المغربي محمد عابد الجابري.. (1936 – 2010)  وبالرغم من اشتراك هؤلاء المفكرين في ضرورة بعث روح الوعي النقدي، وتقبل الرأي الآخر من خلال قطع العلاقة بالقراءة التراثية المنغلقة (القراءة الواحدة للتراث)، والسعي نحو تكوين “العقل النهضوي” على حد تعبير الجابري، والذي رأى أنه  لا يمكن تكوينه إلا من خلال القطع مع العقل التراثي المبني على النصوص الدينية، والتي جعلت العقل العربي غارقا في الغيبيات والمطلقات .. ونقد هذا العقل وحلحلت المفاهيم والسلطات المتحكمة في بناءه، لينشأ عصر جديد يفتح للأمة طريقا معرفيا يجعلها قادرة على الفعل والعطاء والاستجابة للتحديات الراهنة.
ولعلنا نعرج في هذا المقال على تاريخ الفنون باعتبارها من أنواع المعرفة المهمة عبر الحضارات ، والتي يعد الاهتمام بها سمة من سمات تطور الشعوب ونهوضها كما أن الفنون تمثل هوية حقيقية للإنسان على مر العصور، بمعنى أن معظم المجتمعات لها أن تعرف وتحدد هوية الفرد من خلال الأشكال الفنية التي تدل عليه وتعبر عنه.. فالمتتبع لهذا التاريخ يرى وبوضوح رفض هذا التاريخ للتراكم المعرفي، فالفنان دائما ما يأتي بالأفكار الغريبة التي قد تسبق عصره، هذا مما جعل من كل مدرسة فنية نقطة انطلاق مستقلة بذاتها وغير مسبوقة، إن لم تكن ردة فعل مناهضة لما قبلها من مدارس، حيث أن لكل مدرسة تفردها في مقاييس الجمال، ومصادر الابداع، وأولويات عناصر التكوين، حتى تناول الأدوات، واختيار الموضوعات التي يعبر عنها الفنانون .. هذا إلى جانب بروز بعض الفنانيين في أكثر من مدرسة فنية دون خلط لذلك في عمل واحد .. حيث كانت المدرسة الفنية الكلاسيكية classism على سبيل المثال، والتي أشرقت شمسها في عصر النهضة لاسيما في الحضارتين الاغريقية والرومانية،  تهتم هذه المدرسة الفنية بالتمسك بنظم فنية ومثل نموذجية، بمعنى اعتمدت على معايير جمالية مثالية، حيث كانت رسوماتهم ومنحوتاتهم تمثل الكمال الجسماني في رسم الرجال الأقوياء البنية و والجمال المثالي للنساء لاسيما في رسم الوجه فكانت أي لوحة أو منحوتة تخرج من هذاالإطار لا تعتبر فنا يُقدر .. لتأتي بعدها  المدرسة الرومانسية Romanticismضاربة بكل هذه المثل عرض الحائط (إن جاز هذا التعبير مني)، حيث عكست الحياة اليومية للتطورات العلمية والحضارية التي برزت في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تقريبا، واختار الفنان الرومانسي موضوعات غير مألوفة في الفن مع اهتمامه برسم المناظر الطبيعية المؤثرة والمليئة بالإحساس والعواطف، وهنا برزت قدرات أخرى لحركات فرشاة الفنانيين فأصبحت مندمجة بمظاهر الحياة وإثارة العواطف الذاتية والأخروية والمبالغة الدرامية، وكان الاعتماد في شحذ هذه العواطف لتسجيلها فنيا على العقل.. لتأتي بعدها العديد من المدارس الفنية والتي شكلت لكلا منها نقطة البدايات الخاصة كالمدرسة الفنية الواقعية Realism والتي اشتغل فيها الفنان بتسليط الضوء على جوانب هامة من خلال تصويره للواقع بدون غرابة أو مبالغة وفي هذه المدرسة كانت العين هي آلة التقاط المشهد وتمثيله فنيا كما هو، مبعدة بذلك عن ذاتية الفنان وعواطفه ومشاعره والتي كانت هي السائدة في الرومانسية، حيث يتجرد الفنان الواقعي في نقله للموضوع .. وتأتي بعد ذلك المدرسة الفنية الرمزية Symbolism والتي اعتمدت على تصوير الأشياء بشكل رمزي بالألوان فقط..ثم عن المدرسة الفنية الانطباعية Impressionism ومناهضتها التعبيرية Expressionism نقول أن “الانطباعية” جاءت لتبرز انطباعات الفنان اللحظية أو الآنية عن مشهد معين من خلال رسمه في حينه كما هو وإظهار انطباعات الفنان في تلك اللحظة، واشتق اسم هذه المدرسة من لوحة اسمها ” انطباع شروق الشمس”..أما “التعبيرية” فقد ركزت على رسم هذا الواقع والحياة كما هي معدلة وفقا لتفسيرات الفنانيين العقلية للقيم الجمالية، بمعنى التعبير عن الحالة الذهنية التي تستثيرها الأشياء أو الأحداث الحياتية فيقدمها الفنان في قالب معدل وفقا لإدراكه العقلي للقيم الجمالية، فالفنان في هذه المدرسة مفرط الذاتية فهو أساس العمل الفني رافضا للمحاكاة بالبعد بألوانه وخطوطه عن النقل الحرفي للطبيعة والمشاهد الحياتية .. وتأتينا المدرسة الفنية الوحشية التي طغت انطلاقتها على ما سبقها من المدارس   Fauvism والتي ابعدت كل البعد بعناصرها الفنية عن التفاصيل والقيم اللونية المتدرجة وعن الظل والنور.. وأرى أن رسوم الأطفال في مرحلة الطفولة المتوسطة تمثل وصفا مناسبا لمبادئ المدرستين التعبيرية الذاتية والوحشية المسطحة .. وتسرق المدرسة التكعيبية Cubism الأضواء عن غيرها من المدارس بنقطة بداية مميزة والتي حولت عناصرها الفنية إلى أشبه بالأشكال الهندسية والمكعبات والتي ينتمي لها بل ورائدها هو الفنان الشهير “بابلو بيكاسو”  Pablo Picasso(1881-1973) .. وتعني السريالية Surrealism تلك المدرسة الفنية التي ركزت على كل ما هو غريب متناقض (مستهجن) أشبه بالأحلام والخيالات الممزوجة بالانفعالات النفسية والأفكار اللاشعورية، والتي تحمل مضامين تتسم بالعمق بعيدا عن الواقع من جهة وعن ذاتية الفنان من جهة أخرى وتجعل المضمون هو المحور الرئيس للأعمال الفنية .. ومن اللطيف هنا أن نشير إلى أن ظهور هذه المدرسة كان في نفس الحقبة التي عاشها الفيلسوف الفرنسي “باشلار”، بل وفي نفس موطنه فرنسا .. وهذا قد يدفعنا إلى ربط الحركة العلمية بأكملها في تلك الحقبة بالاهتمام بالأحلام والنفس وفقا لفلسفة “باشلار” والذي كان قد قدم مؤلفاته والتي هي أقرب للشاعرية الممزوجة بالفلسفة والتحليل النفسي “النار في التحليل النفسي1949” ترجمه: نهاد خياطة1984 ، و “الماء والأحلام 1942” ترجمه: علي نجيب إبراهيم،2007 .. أما عن التجريد والمدرسة التجريدية  Abstractionفهي المدرسة الفنية التي تمثل عناصرها والواقع بشكل مجرد بعيد عن الواقعية ويكون شكل العناصر أشبه بالقصاصات، ويعتمد فهم الأعمال الفنية التجريدية على الزاوية التي يقرأ منها المتلقي للعمل الفني فكل شكل له عدة تفسيرات .. ويأتي هذا العرض الموجز للمدارس الفنية بمثابة التأكيد على مبدأ أن كل مدرسة أبت إلا الانطلاق من نقطة مميزة فريدة، قاطعة أي علاقة معرفية مع مبادئ وقوانين أي من المدارس الأخرى السابقة أو المعاصرة لها ..
وأخيرا.. يعود بنا السؤال المثير للجدل مجددا: هل تقدم العلوم وتطورها يحدث بطريقة تراكمية استمرارية عن طريق الامتداد المعرفي كما يقال “ابدأ من حيث انتهى الآخرون”؟ .. أم أن القطيعة ما بين الحقائق العلمية القديمة والحقائق العلمية الجديدة هو السبيل الأوحد لتقدمها؟.. وعليه فهل نتبنى نظرية “قال لا أحب الآفلين”؟،أم أنها لن تبرح مجريات لأسطورة دينية مقدسة ؟.
______
د.منى الحمود

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.