عن فلسفة الحسد

 

د.منى بنت علي الحمود

على المستوى الفلسفي أرى أنه لابد من حضور ست مقومات ليكون حدث أو مشهد الحسد مكتملا هي: الذات، والآخر ، والزمن، وقيمة المحبة، وقيمة المساواة، وقيمة السعادة. فمنذ بداية إدراك الإنسان لذاته فهو يبدأ بإدراك الآخرين واختلافهم عنه .. وعليه فمن المستبعد تماما أن يقع الحسد إلا بوجود الآخر المنفصل عن الذات، كما أنه لابد أن يكون المشهد في الزمن الحاضر فلا يصح الحسد في مشهد ماض أو مستقبلي، كما أنه ولابد من وجود قيمة المحبة أو كما يسميها البعض الحب!.. وهي تسعى لكشف جانب الحسد بمعنى أن وجود المحبة والحسد بمثابة وجود الظل والضوء لإظهار التفاصيل وإبرازها محتويات الصورة .. فلا يُظهر الحسد كقيمة شر إلا وجو المحبة كقيمة خير تنطوي على البذل والعطاء بلا مقابل “الإحسان”، فيكون الحسد الجانب المظلم بينما المحبة هي الجانب المضيء حتى تبرز تفاصيل الحدث، وهذا لا يتنافى بالطبع مع وجود حسد مع محبة؛ فالأخوة والأصدقاء قد يقع بينهم الحسد، والموروث الديني المقدس أشار للكثير من هذه المشاهد كما في قصة الأخوة قابيل وهابيل، وكذلك قصة يوسف عليه السلام مع أخوته. وأما عن قيمة المساواة فهي ركن رئيس في مشهد الحسد بمعنى أن يكون الحاسد والمحسود على قدر من التساوي والتكافؤ العمري أو المهني أو الاجتماعي … فلا يصح بلا شك أن يحسد الطالب معلمه، أو أن يحسد لاعب كرة في الأزقة لاعبا عالميا!! وهكذا.. إن المساواة والتماثل كما تدعم الصداقة هي تدعم الحسد فكل مرة من الصداقة المتكافئة تتاح فرصة للحسد .. أما عن قيمة السعادة فيمثلها الشيء المتنازع عليه أو الذي يحسد الحاسد المحسود عليه، فلابد من شعور الحاسد وظنه بأن هذا الشيء يمثل قيمة سعادة عند المحسود .. بغض النظر عن كون هذا الشعور من الحاسد صادقا من عدمه .. فكما قيل: ” يحسدون الأعمى على كبر عيونه”!!. كما أن هذا الشعور لا ينفي لو ما فكر الحاسد بأن المحسود أيضا قد يمارس معه الحسد على أشياء تخصه هو!! .. وإن تحقق ذلك الشعور المتبادل بينهما بشكل لاواعي فهو الانطلاق إلى قيمة الرضى والامتنان.
ولو تساءلنا هل منا من أحد لم يمارس الحسد؟ .. ففي المأثور ” ماخلا جسد من حسد”!! .. نعم إن الشعور بعدم أخلاقية قيمة الحسد يدفعنا لإنكاره عنا ظاهريا لارتباطه دائما بمشاعر الكرة الحقد تجاه الآخرين .. لكن الحقيقة تشير إلى غير ذلك فمشاعر الغيرة والتي هي سمة طبيعية بل وخلاقة لدى الأطفال هي تنم عن حسد، فتشير الكثير من الدراسات النفسية والسلوكية أن الطفل يمارس الغيرة التي تدفعه لتحديد دوره وموقعه الاجتماعي والتمسك به كالغيرة من مولود جديد، وهي مؤشر أيضا على النمو العاطفي السليم لدى الأطفال في مراحل عمرية معينة .. كما أن رغبتنا في الحصول على المكانة الاجتماعية دائما ما تدفعنا إلى مقارنة ذاتنا بالآخرين!!.. لتحديد موقعنا الاجتماعي وأدوارنا المناطة بنا تجاهه .. وهذا ما يدفعنا للتنافس سلبا أو إيجابا حيث جاء في الحديث الشريف” لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها” .. ويرتبط بالمكانة الاجتماعية قيمة التقدير .. وهذا ما يدفعنا أيضا للجد والتنافس على هذا التقدير الاجتماعي .. فلو أننا كنا على مستوى واحد من التقدير الاجتماعي لفقد التقدير قيمته !!.. فالمكانة والتقدير ترتبطان بالتصنيف والمقارنات.. التي تجعلنا نتطلع ونتطور من خلال الحسد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.