“عندما تمتزج الأسطورة بالدين يصبح الفناء موحشا.. ياجدتي”

د.منى بنت علي الحمود

جلست على كرسي من خشب عتيق في فناء منزلها، ذلك المنزل الذي كانت تحتضنه أشجار طويلة ومتسلقة تحكي سر علاقة تقادمت وتجددت كعمرها وعمر بيتها القديم، وكانت رائحة الحناء تنبعث من بين أصابعها وكأنها خزامى الرياض كلما صفقت وتمايلت طربا لأحفادها،وقورة هي كل يوم.. كشمس تحتضن الكون بدفئها ثم تغادر بسلام دون أيما ضجيج ولامراسم وداع، كان أحفادها يلهون من حولها ويتراكضون، إلى أن جاء أحدهم مبعدا خصلات شعرها المتلألئة بالبياض والمنغرسة بنسيج “شيلتها الرقيقة” ليهمس في أذنها “حكينا ياجدة”.. التفوا من حولها، نقية هي كل يوم؛وكأنها كوكب دري يملئ الكون صفاء كصفاء روحها وتعابير وجهها، هي قصتها المعتادة والتي ترددها على مسامعهم كل يوم، وتغلبهم الدهشة بها كل يوم. بدأت حكايتها بذلك الاسم الذي يحبس الأنفاس ويجمد الدماء في العروق .. إنها “السعلوة”، استطردت الجدة في قصتها منطلقة من المواصفات الشكلية لهذه “السعلوة”، وعرجت على سلوكياتها الأخلاقية الوحشية، ثم ختمت حكايتها بهدفها التربوي الذي كانت تحمله لأحفادها في طيات هذه الحكاية المرعبة كل يوم، والذي عادة ما تنوعه حسب الموقف والحالة؛حكاية مدهشة كل يوم، ولكن الأكثر دهشة هو تعطش أحفادها لتكرار سماعها بمجردانتهاءها !!. فتعيدها الجدة مرارا بنفس الصوت والأحداث والدهشة.
الحكاية الشعبية أوالأسطورة أو كما يحلو للبعض تسميتها بالخرافة تعد من أهم مُصدرات الثقافة عالميا، والتي أشغلت العديد من الباحثين والمهتمين في مجال العلوم الإنسانية والأدبية واللغة؛ حرصا منهم على معاودة إنتاجها واستحضارها في المواقف المشابهة من جيل لآخر؛ ذلك لأهمية الأدوار المختلفة التي تؤديها الأسطورة  الشعبية بما تحمله في جعبتها من معطيات تاريخية، ومضامين نفسية وتربوية وقيم إنسانية وجمالية وفنية، ومن خلال ما تكشفه عن جانب من واقع وأسلوب الحياة اليومية،ومن جانب آخر يرى المهتمون بالعلوم الاجتماعية والضبط أنها أي الأسطورة  الشعبية تقف جنبا إلى جنب وسائل الضبط الاجتماعي غير الرسمية والتي تستخدم عادة لتوجيه أفراد المجتمع نحو الامتثال للقيم السائدة والمتصالح عليها اجتماعيا، من خلال ما تحدثه من توازن إيجابي مرغوب لتأطير سلوكيات الفرد بما يتسق مع قيم ومحددات واتجاهات مجتمعه، من خلال صياغة الضوابط الاجتماعية في قالب لطيف يخفف من حدتها وضغطها على الفرد،والتي عادة ما تلبس وشاح الوعظ والتوعية والإرشاد أوالتحذير لضبط الفرد في سياق مجتمعه سواء على مستوى الضوابط العرفيةأو الدينية،ويقف الدين موقف الضابط تارة وموقف المشارك تارة أخرى للأسطورة الشعبية، فالدين أيضا يشكل أهم عوامل الضبط الاجتماعي في كل الحضارات ذات الأديان؛ كونه يرتبط بالاعتقاد والقناعات؛غير أن المشكلة تكمن عندما تزاح الحواجز ما بين الدين والأسطورة لينتج مزيجا مستهجنا، يجعل من الأسطورة أداة لتمرير كل ما يريده مؤلفوها وملفقوها من قناعاتهم الدينية والتي غالبا ما تصب في مصالحهم،وهذا الحدث ليس وليد العصر فقد كانت مواقف الكنيسة و”الباباوية”وضغوطها قبل الثورة الفرنسية شاهدا على ذلك..حيث ساهم خلط الدين بالعلم بمعنى تقديم العلم من خلال الدين، واستبعاد الدين من دائرة المعرفة كمعرفة مستقلة إلى خلط “الدين” بـ “المعرفة” مما نتج عنه مركبات مشوه من الخرافات والأساطير التي استحوذ عليها رجال الدين المتطرفين واختصوا بها، فلا هي التي قدمت المعرفة ونظرياتها كقيمة قائمة بذاتها، ولاهي التي قدمت الدين القويم.. وهذا ما يحدث تماما عندما تغزو أسطورة جدتي الحبية تعاليمنا الدينية لتكون منفذا لها تمرر من خلالها جدتي كل ما تريد تعليمه لنا من تعاليم الدين من خلال خرافات، كنا نتحلق حولها لنسمعها ونتشوق لإعادتها لها قبل حتى انتهاءها .. جدتي الحبيبة لقد ابدعنا بتقمص دور المصدقين لما كنت  تلقينه على أسماعنا من مواعظ دينية عن الصلاة وأهميتها وعقوبة تاركها وغيرها من تعاليم ديننا مغلفة بحكاية وأسطورة جميلة منك ..لكني لا زلت وحتى اليوم اتعطش لتكرار سماعها منك بمجرد انتهاءها كما كنت !!. لتعيدينها علي مرارا بنفس الصوت والأحداث والدهشة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.