عذرا ياصغيرتي.. “تعلمت أن أسمي الأشياء بأسمائها”

د.منى بنت علي الحمود

كان يوما جميلا بكل تفاصيله السماء غائمة ورائحة المطر تسبق الأنفاس.. صغيرتي لم يسعفها صبرها، ولم تلقي أي اعتبارا لقواعد الانضباط الصفية التي كانت دائما ملتزمة بها، فخرجت عن صمتها وقاطعت حديثي بصوتها الحاد الصغير..كانت في غاية الثقة مندفعة متحمسة مشرقة، كانت معتقدة وعلى يقين تام بما تقوله. كانت يداي ملطختان بالعجينة والألوان، أدهشتني وجعلتني أنا من أتوقف أمام ذلك الصوت القوى الذي اقتحم حماسي فجأة وبدن استئذان.. لم تكن تلقي سؤالا يحيرها أو تطلب حلا لمشكلة كانت تؤرقها كعادة صغيراتي دائما في الصف، خاطبتني في تلك اللحظة من قلبها الصغير الكبير قائلة “معلمتي ليش أنتي جميلة”؟!. سارعت لاختزل مشاعرها؛ حتى لا يزيد الجدل بين صغيراتي ويصعب السيطرة على هدوءهن مجددا. فكدت أن أرد عليها برد محبط لاستثارتها وصمودها كأن أقول لها “شكرا لك” أو ” أنتي الأجمل” لكن كل هذه الردود ستكون مظللة لمشاعرها العميقة.. لكنني للأسف فعلا اختزلت مشاعرها، بالرغم من اختياري لعبارة توقعت أنها الأمثل حين قلتها لها، فقلت “أنا لست جميلة، ولكن عيونك هي الجميلة”، ليتني ما فعلتها ياصغيرتي!! فهي عبارة مظللة أيضا، فأنا لم أرى عينيك البريئة والتي كانت ترمقني خلف شاشة الحاسوب حتى أحكم على جمالها، كما أني كذبت ما ترينه بصدق.. شعرت بالخوف مما فعلت، ثم عدت وتداركت نفسي واستجمعت قواي التي شتتها ذات الثمان سنوات بكلماتها، لأخوض بعدها حديثا منمقا وحوارا يليق بمستواها وعمق صدقها وثقتها، فقلت لها:”حقا بالفعل أنا جميلة وسعيدة بذلك لأنه من الله وكلنا فينا الجمال الذي أودعه الله لكن عينيك هي التي لا ترى سوى الجمال لجمالها”، أعدت ترتيب حروفي وتنسيق كلماتي وتهذيب أفكاري ولكني للأسف أخفقت مجددا، فأنا لا زلت لم أصل بصغيرتي عند شاطي طموحها.. لم تشعر حبيبتي بالأمان تجاهي بعد عباراتي السابقة ولم تهدأ نفسها فعاودت لتسألني “معلمتي ليش أنتي تحبيننا؟”، فأجبتها بالجواب التقليدي “نعم ياحبيبتي أنا أحبكم جميعكم كثيرا”.. انتهى اللقاء بصغيراتي.. لكني اصطحبت ذات الثمان سنوات في مخيلتي، فلم تزل باقية في ذهني.. لمت نفسي كثيرا لأني فهمت بعدها أن صغيرتي كانت تراني بعمق من الداخل، وأدركت أنها شعرت بجهدي وقدرت تعبي و أنها كانت طيلة الوقت تنظر لي بعين الملاحظ المراقب، ثم قيمت جهدي وسلوكي وعملي وأعطتني على الفور تقييما لأدائي، لم تتأخر عني صغيرتي، ولم تتردد في ذلك، بل ولم تنتظرني حتى أن أطلبها رأيها كانت هي المبادرة حقا.

جلست مع نفسي كثيرا لأفهم ماذا حدث وماذا تغير بداخلي، عرفت أن الصدق والعمق لا يفترقان أبدا، وأن ما كانت تعنيه صغيرتي بسؤالها عن الجمال هو ما يسمونه الحكماء من الكبار بـ “جمال المخبر وليس المنظر”، وأن سؤالها عن الحب لم يكن إلا اعترافا منها لي بشعورها بالأمان تجاهي وثقتها بي وأني لم أخذلها. فمفاهيم الأطفال عن الحياة ورموزها يختلف عن فهم الكبار فالأول أكثر عمقا وصدقا وعاطفة.. فالحب عندهم يوازيه الثقة والأمان وعدم الخذلان، والجمال يوازيه الذات لا المنظر.

عذرا ياصغيرتي ليتني أطلت معك الحوار حتى ننشر سويا ثقافة الجمال والحب الصادق والتي تتقنونها انتم ببراعة، وليست كما نعرفها نحن معشر الكبار، فنحن نرى الجمال بأعيننا المجردة لا بقلوبنا كما ترونه أنتم.. ونصنف الجمال وفقا لما يروق لنا ليس بوصفه كقيمة حسنة، ونرى الجما انطاعاتنا في ذوات الآخرين، بقشوره لا بلبه.. شكرا لك صغيرتي على هذه المقاطعة وأعدك أن أحمل رسالتك السامية، وأن أعزم أمري على التحضير دائما لحوار راقي عميق على مستوى يفي بطموح عالمكم الملائكي، وأن أضع هذا الحوار دائما معي لأتدرب عليه من حين لآخر حتى لا تخونني كلماتي مجددا عندما يقول لي طفل بعمرك “أنتي جميلة”.. فهمت الدرس، تعلمته منك وأعدك ألا أكررها ثانية حتى لا أخذل طفلا بعبارات مضللة رتيبة مجددا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.