“دعوا جدراننا وشأنها .. أيها الكبار”

د.منى بنت علي الحمود

في أبيات من عالم الخيال حاولت قوافي الشاعر “البدر” مداعبة الجدران في قصيدته “جفن الليل”، فكان مرة يحاكيها، ومرة يصفها بأنها ملت من حديثه عن محبوبته ومن يلوم الجدران فهذا لا يعنيها!! وإن كان أمرا جللا عند شاعرنا الملهم الملهم، ثم يخرج في قصيدته في مشهد مهيب ليبث به مكنونه للشوارع .. وكأنه من فرط حبه قد نسي أنه ما أكثر الجدران في هذه الشوارع والتي قد تكون ملت كجدران غرفته .. وقد تكون هذه الجدران تتمنى لو أن تبوح بمكنونها بدلا من أن تسمع أو تُحمل هموما لا تعنيها، بما يثقل على كاهلها من عبارات أو رسومات لا تعنيها لتعود لتشعر بالملل مجددا والصمت..
كانت الجدران ولا تزال ساحة حرة لمن يشاء التعبير عليها أما علنا أو خفية،طوعا منها أو قهرا. ويجدر بنا الاعتراف بحقيقة أن الكتابة الجدارية هي ظاهرة طبيعية إنسانية قديمة قدم الحضارات الإنسانية، وممارسة قام بتوظيفها للتعبير عن احتياجاته وأمنياته ووصف لسيناريوهات حياته اليومية.. وقد أضفى التراث الإنساني على هذه الكتابات والرسومات خصائص مجتمعاتها لتعد بذلك شكلاً من أشكال الثقافة المجتمعية ووصفا للتجربة الإنسانية العامة في تفاعلاتها مع الواقع وفي توقها لإفراغ مكنوناتها الذاتية على الجدران والمرافق العامة والخاصة. ولا يفوتنا هنا أن نشير للأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية من العنف والإرهاب والحروب و… وعدم توفر نوافذ كافية للتعبير عن الرأي وانعكاساتها في ظهور مثل هذه الظاهرة..

قد تنبئ مثل هذه الكتابات بأن هناك طاقات فنية ومواهب مكبوتة لم تجد متنفسا لها سوى الجدران، ولم تجد من يوجهها في الاتجاهات الإيجابية السليمة. فقد يكون هؤلاء الذين يكتبون على الجدران هم من العباقرة والموهوبين ولكن لم يجدوا من يفهمهم.. وعلى الرغم من كون هذه التعبيرات الكتابية والرسومية فردية في أغلبها إلا أنها تمثل انعكاسات لمجتمعها، فينظر إليها من زاوية اجتماعيه في محتواها الثقافي وعليه فإن تحليلها يجب أن يكون ضمن الإطار العام والسياق الثقافي والاجتماعي للبيئة التي ولدت فيها.
إن مثل هذه الكتابات تعد حقلا خصبا لدراسة البنى اللغوية، وملامح الاختلافات في اللهجات والرموز الاجتماعية والدينية والتي تعكس في مجملها مظاهر التنوع الثقافي في البيئة المحلية الواحدة.. لكنه من المؤسف حقيقة عندما نقرأ أو نسمع عن العديد من المطالبات بمنع مثل هذه الكتابات والرسومات والحد منها لما تنم عنه من تصرفات غير مسؤولة وما تحدثه من تشويه للمظهر العام!!.. والمحزن هو أن تأتي مثل هذه المطالبات من بعض المثقفين والتربويين والذين ينعتون هذه الظاهرة بأنها ليست حضارية .. و هذه العبارات إنما تم تداولها بين الكبار لكون من يقوم بهذا العمل هم جماعة من الأطفال والمراهقين أو الشباب، لكن السؤال ماذا لو أتيحت الفرصة للبالغين وكبار السن ليتحرروا من بعض القيود الاجتماعية والنفسية، فهل سيقومون بمثل ما يقوم به المراهقون والأطفال من الكتابة على الجدران؟ أم سيصرون على موقفهم لمحاولة نبذ هذه الظاهرة والتحامل عليها..

في حقيقة الأمر يعود الاعتراف بالجداريات كفن إلى مدرسة Hip-Hop) ) التي برزت في أوائل الثمانينات وكانت مسؤولة عن شعبية هذا الفن وتطوره، حيث نشأت في أحياء نيويورك حركات الشباب المهتمة بالكتابة والتي مارست هذا الفن الثقافي باعتباره نوعاً من الهزل والمزاح، للتعبير عن ذواتهم وإحساسهم النفسي وتفوقهم واسقاطها في صور وكتابات هزلية ومثيرة للضحك،كما كان الأطفال يكتبون على الجدران لأن الكتابة لون من المرح والمزاح.. وقد ارتبط ظهور الكتابة الجدارية في نيويورك أولاً في الأنفاق وعلى القطارات، إذ أن الكتابة عليها كان بمثابة المغامرة، وكانت الجماعات التي بدأت هذا الاتجاه هم من الشباب الذين وجدوا من أوضاعهم المادية أو الاجتماعية مبررا لهم لخلق وإبداع طرائق تفكير خارجة عن إطار الثقافة العامة وقد توصلوا عبر تطوير أدواتهم ورسومهم إلى إبداع اتجاه جديد في الكتابة الجدارية..
كما أنه من المؤسف أيضا عندما نرى الكبار يستأثرون بهذه الجداريات، بل ويتطفلون على عالم الأطفال ويرسمون لهم آمالهم وأحلامهم ومفرداتهم وقضاياهم.. بمعنى: أن “يرسم الكبار للصغار” في قصصهم ومدارسهم وغرفهم وشوارعهم ومدن ألعابهم .. أو ما شئت بعد ذلك.. من هذا المنطلق كان لابد من الاعتراف برسوم الأطفال ومكانتها الفنية حيث تعتبر الجدران صفحات عملاقة ينقش عليها الأطفال أحاسيسهم وآمالهم وطموحاتهم وخيالاتهم والتي يغلب عليها خصائصهم العمرية الفنية وتحمل أسماؤهم بكل فخر واعتزاز.. وهنا يأتي دور الجهات الرسمية في تعزيز هذه الظاهرة عند الأطفال والاستثمار فيها، وعلى رأسها على سبيل المثال لا الحصر وزارات الثقافة، والسياحة، وهيئات الترفيه، حيث أن هذه الرسوم تنطوي على قيم ثقافية واجتماعية عميقة تعد رموزا متجذرة واضحة ومميزة لكل المجتمعات تميزها عن غيرها، كما تعد سفيرا حيا في نقل هذه الثقافات وتداولها بين الشعوب.. لذا تعتبر رسوم الأطفال ممثلا لهذه الرموز الثقافية لا سيما إذا ما كانت تحمل فلسفة ورؤية وطنية أو اجتماعية واضحة وسامية، وذلك من خلال الاستعانة برسوم الأطفال وتقديمها كواجهة ثقافية للترفية والسياحة. وما يحققه ذلك من ثمار فردية ومجتمعية من أهمها زيادة المشاركة المجتمعية لدى فئة الأطفال لا سيما من 6-9 سنوات. إلى جانب رفع شعار “رسم الأطفال للأطفال” فمن الملفت استحواذ الكبار على جدران مدن الألعاب ومناطق الترفيه أو السياحة المخصصة للأطفال. كذلك تحسين الواجهات البارزة والواجهات المشوهة في الأماكن المتنوعة، من خلال استخدام عناصر فنية ذات أبعاد ثقافية محلية وعالمية تنفذ بأيدي الأطفال وبرسوماتاتهم وكتاباتهم. إلى جانب تحقيق جانب الترويح عن الأطفال واستثمار طاقتهم الخلاقة في أعمال وطنية، تبقى لهم وفي ذاكرتهم على المدى البعيد. إلى جانب التأكيد على خاصية التعدد والتنوع الثقافي في المجتمع السعودي، من خلال الفنون فهي سفيرة الثقافات..

ولا بد أن مثل هذه المشاريع الجبارة تحتاج للتخطيط العميق، كما يحتاج تنفيذها لوضع الآليات والاستراتيجيات التي تضمن نجاح تنفيذها، حيث يتطلب ذلك تشكيل فرق عمل وتنفيذ مراحلها بمنهجية علمية وجداول مدروسة تبدأ بتحديد الموضوع المراد التعبير عنه (ديني، وطني،ثقافي، علمي،خيالي…). ومن ثم تحديد الواجهة المراد رسم الأطفال عليها، والهدف من تصميم الجدارية كإبراز معلم أو تحسين مكان مشوه.. انتخاب عينة عشوائية من الأطفال من (6-9 سنوات)، تقديم الموضوع المراد التعبير عنه للأطفال (بالقصة/ بالمشاهد الحية/ العروض/…) تقديم تدريب نظري وعملي على الأدوات المستخدمة في التنفيذ، ويتم ذلك من قبل مختصين في تعليم الفنون لهذه المرحلة العمرية الفنية أو المهتمين برسوم الأطفال..

وأخيرا .. تبقى الجدران برغم أنها مساحات شاسعة فهي أسيرة لآم وآمال غيرها، لكني على ثقة بأنها ستجيد الحكي والتعبير إلى حد الثرثرة والضحك إذا ما لامستها تلك الأنامل الناعمة البريئة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.