حتى اللي يكرهه..يحبه!!

 

د.منى بنت علي الحمود

4 ابريل 2022

ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذا المقال وليس من عادتي التردد، ليس خوفا مما سيحمله مقالي هذا من حروف أو أفكار فأنا أزعم بقوتي على حمل ذلك،لكن هيبة المعني استوقفتني كثيراً!!؛ فكلما هممت لجمع أفكاري عنه بعثرها أمامي وجمعها؛فهو صعب التعاطي والتناول!!،وله ذلك؛فهو الحب وكفى!!.
نسمع عبارة “فلان حتى اللي يكرهه يحبه” وهي تتردد في زقاقات المعاني والألفاظ كصيغة مبالغة للثناء على شخص ما،ومن هو ذلك الشخص؟!،هو ذلك الذي يحتل مكانة أوحظوة اجتماعية (وفقا لمعايير البشر بلا شك)؛ تجعل له حضوراًوحبورا بينهم وأكرر (وفقا لمعاييرهم فحسب)..غير أن هذه العبارة تخرج من مدلولاتها العامية لتقع في مدلولات أكثر عمقاً واتساعاً في الوقت ذاته!..تتمحور هذه العبارة حول قضية “غلبة الحب”بل واستيعابه غير المبرر لما دونه من المشاعر والعواطف..هي تنطوي على أن الحب هو الأعنف القاهر للكره، والذي لايعد من وجهة نظري مناظرا له.
ارتبط الحب بالروح فيقال على صفحات الفلسفة أن الحب من الميتافيزيقا والتي قُسمت فيها روح إلى قسمين ثم عندما التقت تعارفت والتأمت لذلك يقال للمحبوب “تؤم الروح”،كما ارتبطت عاطفة الحب بالجسد تأرة أخرى؛فهناك منظومة واقعية عقلية أوجسدية محسوسة تجعل شخصاً ما يجذبنا إلى حبه!!.غير أني لا أميل إلى الاتجاه الأخير وأرى أنه يقع ضمن حدود الإعجاب فحسب!،والذي قد يكون مؤقت مايلبث أن يزول بزوال المؤثر. انتشر اعتقاد بأن المحبوب يسلبك ذاتك عندما يحبك!!؛فهو يجتذبك بكلك إليه منتزعاً حدود الذاتية والآخرية ليصهرها في قالب مشاعري يجعلك تكون للآخر فحسب؛ فهو رغبة عارمة!،لأن الحب تدخل معه ياء المتكلم ومضمونها الملكية الأنانية. فيقال:”أحبك لأنك سعادتي،أو كل شيء لي …”. هنا تأسر الياء المحبوب فتسلبه كله روحه ومشاعره وتجرده حتى من كيانه..ولاننكر ما للحب المتبادل من وقعه في التحول بالانسجام إلى الاتحاد،والذي يأخذ غالباً طابعه النفعي حيث تمتزج الاهتمامات والتفضيلات والمؤرقات!!،وهنا تذوب الذات مع الآخر إيذاناً بولادة شخص هجين ينتمي إلى”نا الفاعلين”. فالحب يستحق خسارة التفرد.. من جانب آخر وسم الحب بأنه رمز الحرية، فلايحب إلا متحرر !!.
وعندما أردنا أن نجازف بشرح الحب بأنه السعي للجمال الحقيقي..ضاعت خطانا أكثر عن جادة الطريق..فمن يعرف ما هو الجمال أصلاً!!،وعندما اتجه العقلانيون إلى ترجمة الحب على أنه البذل والتضحية والتقدير ضلوا وأضلوا فهم بذلك نزعوا عباءة الحب عنه وألبسوه عباءة مشاعرية أخرى، وقد فسر الحب على أن مقره النفس فهو متوغل فيها ولا ينتهي إلا بالموت!!،ولكن إن صح ذلك فماذا نفعل بحب الموتى؟!. والذي قد يرهقنا أكثر من حب الأحياء..قيل أن القلب هو من يحب،ورمز للحب برسمة القلب؛ فكيف لعضو رقيق أن يتحمل هذا،ورحمة بهذا القلب..قيل بأن الشعور بالحب إنما يبدأ من العقل والذي يرسل بعدها إشاراته للقلب..ولعل نبضات قلب المحب بحد ذاتها كفيلة بأن تثقل على هذا العضو الضعيف!!.
ويقف الخوف كعادته عجوزاً شاحبة تتربص بكل مولود للمشاعر لتؤده حياً.. فالخوف مبعثر للفرح وللحزن أيضاً،وهو عدو للبوح والسكوت..يحجبنا عن الإحجام والإقدام معاً، ويميتنا على كف الحق والباطل..كل هذا ليس لشيء إلا أن يدعنا في عجز مثله !!،وأرى أن الخوف هو عدو الحب وليس الكره..حيث أرق الخوف من الحب بعض الفلاسفة مما دفع ببعضهم إلى أن يصنفوه من الابتلاء؛وأنه يورث العلة والمرض؛فثاروا إلى دعوة جائرة للبعد عن الحب ومقاطعته بل ومقاومته!!..ولكن هيهات هيهات لهم.
من لايعرف الحب.. عليه أن يعلم بأن الحب هو نكرة معرفة بذاتها..هو هبة مقدسة لايمكن ردها..هو صفاء لايعرف مداه، وفراغ لايملاء بغيره.. لاأصل لكلمة الحب لأنها أصلا بذاتها. الحب نكرة لمن تحبه ومعرفة لديك..الحب ليس له معنى فهو المعنى لكل شعور..الحب ليس جسداً ولكنه له سكن في كل جسد..ليس للحب عمر فهو مخلد حتى بعد الموت.. فكم أحببنا الأموت..بل وهناك الكثير ممن لم نحبهم إلابعد أن ماتوا فهو أسطورة مخلدة..الحب عابر للثقافات والحدود..الحب ليس له مقدمات ولاعلل يأتي فجأة فهو الهبة السحرية..المحبوب هو العلة والمعلول..الحب ضيف مقيم إذا أتى من المستحيل أن يذهب..للحب نكهة لا تشبهها أي نكهة..وله مزاج لايشبهه أي مزاج..لايعكر صفوه شيء بينما هو ينتشر في كل شيء ليغيره تماما..لايرتبط بالحكمة فمتى ما ارتبط بالعقل أفسده العقل أو أذهبه الحب !!؛فعندما تريد التعبير عن الحب تكون قد استخرجت حرفك من مشاعر تتحدى عقلك!!؛فهو لايدرك بعقل ولايفسر بمنطق.
وأخيراً: فمن حسنات الفلسفة أنها لاتجيب عن السؤال بل تثيره فحسب..فمن يقدم على قول الحب هو:…سيجد نفسه عاجزاً أمام مأزق لايحمد عقباه؛ فمن الصعوبة أن تشرح ماهية الحب!؛فلا يعرف معناه إلا من عاناه،ولايقوى على شرحه إلا من هو داخل دائرته فحسب، ولكن كيف لك أن تخترق هذه الدائرة الذاتية لتسمعه !!.
د.منى الحمود

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.