ثلاثون ريالاً فقط لتعبير الرؤية الواحدة!!

 

سلمان بن محمد العُمري

في الوقت الذي نجد فيه العديد من المفسرين والمعبرين للرؤى ممن نحسبهم من الأخيار والموفقين ولا نزكي على الله أحداً، وجلهم ممن يحتسبون الأجر والثواب من رب العالمين في تعبيرهم للناس، وتفريج همومهم، فإننا نرى آخرين انتهزوا واستغلوا شغف الناس ورغبتهم في تعبير الرؤى كبوابة للشهرة والتجارة في تلك السوق الرائجة كحال الداخلين في سوق الرقية من قبل، وقد ساهمت بعض القنوات الفضائية في الترويج لهم، وعزز من حضورهم انتشار وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي ليس من جانب الذكور بل حتى الإناث أضحى لهن نصيب في عالم التفسير والرقية.

وقد وصلتني رسالة طريفة مضحكة محزنة لحال بعض الداخلين في سوق الرؤى، ممن يبحث عن الشهرة والمال، حيث اشترط لتفسير الرؤى والمنامات رسماً محدداً مقداره (30) ريالاً للتعبير الواحد، وأنه لن يتم التفسير للرؤيا إلا بعد التحويل البنكي، ومشترطاً إرفاق الإيصال، بمعنى أن خدمة تفسير الأحلام مدفوعة الثمن، وربما أضاف لها مستقبلاً الضرائب.!

وبغض النظر عن المعلن، ومدى كفاءته، ومطالبته بثمن جراء عمله، ما هي مؤهلات معبري الرؤى، وما الصفات الواجب توافرها فيهم، ومن يقرر بأن فلاناً جيد في التعبير أو دجال له مآرب، ويبحث عن المال.؟!

لقد اتفق أهل العلم على أن الرؤيا الصادقة من الله تعالى وأن التصديق بها حق، ولا ينبغي أن تعبر إلا من أهل العلم العارفين بالتأويل كما أن فيها من بديع صنع الله وجميل لطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه، ولم ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد من قدامى ومحدثين، وقد ورد في القرآن الكريم عن الرؤى والأحلام ما يقطع كل جدل، فقد جاء الحديث عن الرؤيا في أربع سور: (يوسف، والإسراء، والصافات، والفتح).

وقد ورد في السنة النبوية ما يزيد على ثلاثين حديثاً بشأن الرؤى الصالحة، وعلى مر العصور اشتهر عدد من السلف بتأويل الرؤى وتفسيرها وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مشهوراً بتأويل الرؤى وإذا ذكرت الرؤى ذكر الناس ابن سيرين، وفي سجل الحضارات بيان لأهمية الأحلام في حياة الإنسان، وخاصة أحلام ملوكهم من حيث إنها منذرة أو مبشرة بأحداث قادمة، مما ألجأ منذ القدم ملوك وحكام الممالك إلى البحث عن مفسرين لأحلامهم عرفوا باسم: (رجال المعرفة في مكتبة السحر) وهناك فرق بين الرؤى والأحلام كما أن الرؤى منها ما هو صالح ومنها ما هو خلاف ذلك.

لقد أدى تفسير الرؤى إلى أمور خطيرة من بعض مدعي العلم والمتطفلين عليه، وقد سمعت عن حالات طلاق وانفصال بين الأزواج نتيجة لتفسيرات خاطئة من (جهال) وتقبلها بعض السذج من النساء ومن الرجال وكأنها وحي منزل، فهناك من قالوا لها إن هناك من أهل الزوج من وضع لك سحراً وهناك من قالوا له إن هناك خيانة زوجية في بيتك، وهناك من شككوا في سلوكيات أولاده وبناته، وهناك من أوهموه بالفشل في الدراسة والعمل وأحبط وصدق الخبر وحالات يشيب لها الرأس، وهناك من أوهموه بالمساهمة في شركة معينة فخسر ما وراءه، وبعضهم أصبح يتصل بمعبري الرؤى قبل الدخول في أي شركة، وهناك رؤى حول هذا النحو وهكذا، ولو نشرت بعضاً من الرسائل عن أحوال المعبرين المدعين وشكاوى القراء لرأيتم العجب فهم أقرب إلى الدجل والكذب، ولكن السمة الغالبة مع الأسف أنهم يتزينون بزي الدين ومظهر التقوى وهم في حالة لا يعلم بها إلا الله، ومع كل هذا لا نقلل من شأن الرؤى مهما كثر الدجالون، ولا نبخس بعض المعبرين حقهم ومكانتهم وأمانتهم لكنهم قلة في خضم هذا البحر المتلاطم من الدجالين والمتطفلين، وقد ورد في السنة الكثير من الأحاديث عن الرؤيا ونكتفي منها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاثة فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا ما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس…) رواه مسلم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.