الهلع أو القلق الحاد حالات نفسية تائهة عن العلاج

 

د.عزت عبدالعظيم استشاري الطب النفسي بالحمادي:

نوبات الهلع “عافانا الله جميعا منها”، هي من أكثر الأمراض النفسية معاناة وإيذاء للمريض، إنه الإحساس المخيف بالأقتراب كثيرا من مشارف الموت.. معها تبدأ رحله طويله من البحث عن علاج لهذا الإحساس المميت، هي إحساس الشخص بحالة فجائية وبدون أسباب أنه أوشك علي الموت أو أنه كما لو كان يعاني من سكرات الموت مع الإحساس بالإختناق والخفقان أو تسارع شديد في ضربات القلب والتعرق وضيق بالصدر وسرعة في التنفس وارتجاف بالأطراف وتعرق بالجسم وجفاف بالفم، كل هذه المجموعة من الأحاسيس الغريبة تجعل الشخص يجري هنا وهناك ويلف ويدور بين الكثير من المستشفيات والمستوصفات حتي باتت معظم أقسام الطوارئ فيها تعرفه بالإسم مع إجراء الكثير من الفحوصات والتحاليل للوصول لأصل المشكلة ولكن بدون جدوي فكل شيئ يبدو علي ما يرام من قلب وصدر وتحاليل .
بعد رحلة طويلة من التعب والمعاناة والحيرة والتوهان بين الكثير من التخصصات الطبية وفي أروقة العديد من المستشفيات والمستوصفات قد تصل لعدة شهور ربما يفطن أحد الأطباء أخيرا لأصل المشكلة وأن كل هذه الشكاوي والأعراض ما هي إلا مجرد حالة نفسية فقط إسمها “نوبات الهلع” ويقدم أخيراً تلك النصيحة الذهبية لهذا الشخص بأنه في حاجة لمراجعة طبيب نفسي فقط وسوف تنتهي كل هذه المعاناة .. بإذن الله .. من هنا وجب علينا التعريف بكافة جوانب هذه المشكلة وتوضيح الأسباب وكيفية علاجها والتخلص من هذه المعاناة في أسرع وقت ممكن والفكاك من هذه المتاهة التي ترهق المريض صحياً ومادياً دون طائل من ورائها، ولهذا كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ الدكتور عزت عبدالعظيم أستاذ وإستشاري الطب النفسي بمستشفى الحمادي بالرياض لكي يلقي لنا الضوء علي نوبات الهلع أو مرض القلق الحاد حتي نفهم ونستوعب جميعاً هذه المشكلة وصولاً إلي العلاج الأمثل للتخلص منها نهائيا بإذن الله .
* في البداية نرجوا تصنيف مرض الهلع ضمن الأمراض النفسية؟وماهي أعراضه؟
– نوبات القلق الحاد أو الهلع هي واحدة من الأمراض النفسية العصابية وهو عبارة عن أحد أنواع القلق الشديد الذي يحدث في صورة نوبات متكررة مؤقتة تجعل الشخص تسيطر عليه حالة من الشعور بالقلق الشديد والخوف الزائد الغير مبرر والغير واضح الأسباب علاوة علي مجموعة أخري من الأعراض الجسدية التي تحدث فجأه للمريض وبدون سابق إنذار كالإحساس بتسارع شديد في ضربات القلب والإختناق والتعرق وضيق بالصدر وسرعة في التنفس وارتجاف بالأطراف وتعرق بالجسم وجفاف بالفم وما إلي ذلك من أحاسيس غريبة.
– إن ما يميز أعراض نوبات الهلع كما ذكرنا الآن هو حدوث تلك المجموعة من المشاعر الغريبة الفجائية بدون سابق إنذار وبدون أية أسباب،وهذه المجموعة من الأحاسيس والمشاعر الغريبة قد تكون كلها مجتمعة معا أو بعضا منها كالإحساس بالخفقان أو بتزايد شديد في معدل ضربات القلب مع صعوبة في التنفس وضيق بالصدر يصاحبة حالة من عدم الإتزان والشعور بالدوخة أو حتي الإقتراب من الإغماء مع ارتعاش بالأطراف وبرودتها والإحساس بالتنميل أو الخدر فيها أو في أي أجزاء أخري من الجسم وقد يصاحبها زيادة في التعرق وجفاف بالفم والحلق وربما الشعور بالغثيان مع ذلك الشعور المخيف والسخيف بفقدان السيطرة علي العقل أو حتي الإحساس بالإقتراب من مشارف الموت، وهذه النوبات من الأحاسيس الغريبة قد تستمر من 5 دقائق حتى نصف ساعة وربما تطول لساعة أو حتي أكثر من عدة ساعات في بعض الأحيان ومن الممكن أن تتكرر هذه النوبات عدة مرات في اليوم الواحد.
* ماهي أسباب المرض؟
– حتي الآن لا توجد أسباب واضحة أو تفسيرات قاطعة لأسباب وآلية حدوث نوبات الهلع ولكن ربما يكون هناك ارتباطات مع عدة عوامل غالباً ما تتداخل معاً لإظهار الحالة، بداية من العامل الوراثي نظراً لملاحظة تكرار ظهور هذا المرض في بعض العائلات وربما يرتبط بعوامل أخري تربوية واجتماعية حتي منذ مراحل الطفولة المبكرة منها التعرض للعنف أوالإيذاء البدني أو النفسي والتي قد تؤدي إلي فقدان الإحساس بالأمان النفسي الداخلي للشخص والتي قد تزيد من حساسية الجهاز العصبي للشخص وبالتالي تساعد علي ظهور المرض فيما بعد وهناك بعض الأمور التي تساعد علي ظهور نوبات الهلع منها نقص فيتامين “د” أو إضطراب في هرمونات الغدة الدرقية أو الغدة فوق كلوية أو خلل في تناسق وانتظام الإشارات العصبية داخل المخ والتي يمكن اكتشافها من خلال عمل تحليل لمعرفة نسبة هذه الهرمونات أوعمل تخطيط للمخ أو ما يسمي رسم تخطيطي لكهرباء المخ .
–أما بخصوص آليةأو ميكانيكية حدوث النوبات، هناك الكثير من الدراسات التي تؤكد علي وجود خلل وظيفي كامن في مراكز المخ المسئوله عن الحالة الإنفعالية وخصوصاً في الجزء المسئول عن الخوف أو مركز الخوف وهذا ما يؤدي الي إحداث بعض التغيرات المرضية في كيميائية المخ في هذه المراكز المخية المتحكمة في الناقلات العصبية في الجهاز العصبي اللاإرادي وأهمها هرمون “الأدرينالين” والذي يؤثر بطريقة مباشرة في عملية التحكم في وظائف القلب والجهاز التنفسي والذي يزداد عند مواجهة حالات الخوف الطبيعي ولكن في نوبات الهلع يظهر فيها “الأدرينالين” بصورة فجائية وبدون سبب أو مبرر للخوف وبالتالي يتم حدوث كل هذه المجموعة من الأعراض النفسية والجسدية المصاحبة لحالات الخوف الشديدة التي يعاني منها المريض ولكن لا ننسي أن هناك أيضاً ناقل عصبي آخر هو السيروتونين حيث أن له دور أكثر أهمية في عملية إفراز وضبط إيقاع الأدرينالين نفسه داخل المخ والجسم أيضا.
– قد يزداد إحتمالية ظهور النوبه الأولي بعد التعرض لبعض المواقف التي تدعوا الي الخوف كالحوادث أو فقدان شخص عزيز بطريقه فجائية وخصوصاً لو كان عن طريق نوبة قلبية أو ربما يحدث بعد الولاده أو بعد تعاطي واحدا من المواد المؤثرة علي الحالة العقلية كالحشيش أو الكوكايين أو تعاطي كميات كبيرة من مشروبات الطاقة والمنبهات مع قلة النوم وعلي الرغم من ذلك فإننا غالباً ما نلاحظ أن بداية هذه النوبات غالباً ما يبدأ بدون أي أسباب واضحة أو أي مقدمات من أمثلة تلك الأمور.
* متي يظهر المرض ؟ وما هو تأثيره علي المريض؟
– من الصعب تحديد سن معين أو فئه عمرية معينة يبدأ عندها هذا المرض ولكن غالباً ما يبدأ في مرحلة الشباب (العشرينات) من العمر ولكن هذا لا يمنع حدوث هذه الحالة في أي فئه عمرية من الطفولة وحتي الشيخوخة، كما أن معدل هذه الحالات قد يتراوح مابين 1-2 % من الناس ويصيب الرجال والنساء بنفس النسبه تقريباً وهذه النوبات قد تحدث علي فترات متباعدة وربما تتكرر عدة مرات في الشهر الواحد وربما في اليوم الواحد في أسوأ الحالات.
– إن حدوث هذه النوبات هكذا فجأه تصيب المريض بالإرتباك الشديد وتجعله ينتقل من طبيب لآخر ومن عيادة أو مستشفى إلي عيادة أو مستشفى أخري مع إجراء كم رهيب من الفحوصات والتحاليل والأشعات علي معظم أجزاء الجسم وخصوصاً القلب والصدر والغدد والتي تتضح أنها سليمة وهذا مما يزيد من حيرة المريض وشكه أن أحدا من الأطباء لا يستطيع اكتشاف حالتة المرضية التي يعاني منها أو أن الأطباء يخفون عنه خطورة حالته ونتيجهة لهذه النوبات فجائية الحدوث في أي وقت يفضل المريض عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة ولو خرج من المنزل يظل في حالة توجس وترقب للحالة ولهذا يفضل أن يكون بصحبة أحد الأشخاص حتي يطمئن بوجوده معه لإنقاذه من الحالة عند حدوثها ويفضل المريض أن يدور في محيط المنزل أو بالقرب من المستشفيات لكي يلجأ اليها لإنقاذه لو فاجأته هذه النوبة، إن تأخر اكتشاف هذه الحالة يستنزف المريض مادياً ومعنوياً ويصيبه بالإحباط واليأس ويعيقه اجتماعياً ووظيفياً علاوه علي معاناته من حالة الخوف التي يشعر بها وما يصاحبها من أعراض جسدية غريبة.
* كيف يمكن تشخيص هذه الحالة؟وهل يتطلب ذلك إجراء فحوصات معينة ؟
– تعتبر حالات الهلع من أسهل الحالات النفسية التي يمكن للطبيب النفسي تشخيصها علي الإطلاق حيث أن أعراض هذا المرض نمطية وواضحة تماما فبمجرد وصف مجموعة الأعراض وأنها تتكرر في شكل نوبات ثم معاناة المريض من اللف والدوران علي باقي التخصصات الطبية وكذلك إحضاره لكم هائل من الفحوصات والتحاليل الطبية السليمة مع أخذه لبعض الأدوية بدون أي استجابة أو تحسن يذكر في الحالة كل ذلك يجعل نوبات الهلع هي التشخيص الأكيد.
– بالنسبة للفحوصات المطلوبة، غالباً لا توجد ضروره ملحة لإجراء فحوصات طبية معينة للتأكد من تشخيص الحالة لأن معظم هذه الحالات أسبابها وظيفية ويتم تشخيصها بالكشف الطبي النفسي فقط وغالباً ما يكون المريض قد قام بإجراء الكثير من الفحوصات الطبية حتي إن الكثير منها غير مطلوب وقد يكون مكرراً في أكثر من مكان وكلها بالطبع علي ما يرامز
– لكن أحيانا قد نحتاج لعمل فحوصات معينة لاستبعاد بعض الأسباب العضوية الطبية الأخري التي قد تكون السبب أو قد تتداخل مع الحالة وخصوصاً لو كانت النوبات غير تقليدية أو غالباً ما يصاحبها أي أعراض أخري ربما تكون بسبب طبي مثل تلازم الإرتفاع الشديد في ضغط الدم أثناء النوبات وهذا يتطلب فحص الغدة فوق كلوية (الكظرية) وأهمها تحليل نسبة نواتج هذا الهرمون وباقي هرمونات الغدة في البول علي مدار 24 ساعة كاملة وربما نحتاج لعمل أشعة صوتية أو حتي مقطعية بالكمبيوتر علي الغدة وذلك لاستبعاد أي تضخم فيها، كما أن حدوث النوبات أثناء النوم مع تكرار نوبات الكوابيس أو الفزع الليلي مع صحيان المريض في حالة هلع وذعر أو أن يتزامن حدوث نوبات صداع نصفي مع حالات الهلع ففي مثل هذه الحالات يجب عمل رسم تخطيطي لكهرباء المخ وربما يتطلب الأمر أيضا عمل أشعة مقطعية علي المخ.
* ما هو العلاج المناسب لحالات الهلع ؟
– في البداية وقبل الدخول في موضوع العلاج النفسي لحالات الهلع هناك أمور هامة جداً يجب وضعها في الإعتبار وخصوصاً من جانب مريض الهلع وكذلك من جانب الإخوة الزملاء في باقي التخصصات الطبية الأخري حتي لا يتأخر وصول مريض الهلع للطبيب النفسي وطلب العلاج، أولها أن المرضي عموماً لا تتقبل فكرة المرض النفسي نظرا للوصمة التي يسببها المرض النفسي للمريض داخل المجتمع وللكثير من الإعتقادات الخاطئة عن الأمراض النفسية وعلاجها وبالتالي يظل المريض يتمني في قرارة نفسه أن يتم اكتشاف أي مرض عضوي قد يفسر ما يحدث له من أعراض وخصوصاً وجود نسبة من حالات الهلع قد يصاحبها ارتخاء الصمام الميترالي بالقلب وهذه الحالة قد يتم اكتشافها بالصدفة كما أنها لا تتداخل مع نوبات الهلع مطلقاً ولكن يظل المريض ينكر أي دور للمرض النفسي فيما يعاني منه، وقد يساعد المريض بعض الإخوة الزملاء من الأطباء غالباً بدون قصد في الإستمرار في البحث وراء أي إحتمالية عضوية كالبحث في هرمونات الغدة الدرقية أو بعمل المزيد من الفحوصات أو حتي تكرارها مره أخري بالرغم من ثبوت عدم وجود أي مشكلة عضوية تفسر هذه النوبات، ومن هنا تستمر الحلقة المفرغة في الدوران والبحث عن سراب المرض العضوي والتأخير في طلب العلاج النفسي والإستمرار في المعاناة شهوراً طويلة، إن تقبل فكرة المرض النفسي من جانب الطبيب أولاً ثم إقناع المريض بعدم جدوي العلاج العضوي والتوجه فوراً للطبيب النفسي ثانيا هما أول وأهم خطوة في التخلص من هذه المعاناة .
– إن العلاج النفسي لنوبات الهلع أصبح الآن ميسورا وبشكل رائع نظراً للتقدم الهائل في مجال العلاج النفسي الدوائي وأصبح لدينا العديد من الأدوية النفسية المأمونة والفعالة التي تساعد المريض في التخلص من هذه الحالة المزعجة، كما أن هناك أيضا بعض العلاجات السلوكية المعرفية والتي تعتمد علي فهم ميكانيزم حالات الهلع وتعديل تلك الأفكار الخاطئة المرتبطة بالخطر عند حدوث الأعراض الجسدية المصاحبة لها، إن تدريب المريض علي مواجهة الأفكار الخاطئة وتجنب الذكريات المؤلمة وإيجاد الجوانب الإيجابية في الحياة وفي شخصية المريض وفي كل ما يحيط به تفيد كثيراً في التخلص من كثير من هذه الأحاسيس السلبية وبالطبع قبل كل ذلك يأتي الإعتماد علي الله وكثرة الذكر والإستغفار والدعاء والصلاة مصداقاً لقوله تعالي: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” وقوله تعالي: ” إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم علي صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين” وكل هذه الصفات التي جاءت في سورة المعارج هي التي تحمي الإنسان من الهلع بإذن الله، ثم يأتي بعد ذلك أخذ العلاج الدوائي الموصوف بانتظام حسب تعليمات الطبيب النفسي والمتابعة المنتظمة معه إلي أن يتم الشفاء بإذن الله .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.