المتلازمة الكلائيّة (Nephrotic Syndrome)

 

د.عبدالرحمن المتوكل استشاري أمراض الباطنة والكلى بمستشفى الحمادي بالرياض

ورد عن الإمام الغزالي أنّ “نظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يُتوصّل إليه إلا بصحّة البدن، وبقاء الحياة”. وتأمين حق الصحّة مرتبطً بالوفاء بأسبابها، ومن ذلك تقديرها حقّ قدرها .
والصحّة ضمن التعريف المعتمد دولياً “حالة من المعافاة في الجوانب البدنيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والروحيّة، وليست مجرد انعدام المرض أو العجز”، وبالتالي فالصحّة وفق هذا التعريف الإيجابي حفظٌ لحق البدن في الحماية والرعاية والوقاية مما ينتهك سلامة أعضائه، ومنها الكلية.
وقد اخترت ضمن هذا الحديث المعرفي أن أتناول المتلازمة الكلائيه، وذلك لارتباطها بأسباب الصحّة كما ورد، ونحو فهم أفضل لسبل التعامل مع أحد أهم أعضاء الجسم، ممثلا بالكلية. والكلية هي العضو المسؤول عن تنقية الجسم من النفايات الناتجة عن عملية الهضم، وضبط وتنظيم محتويات الدم، وكميّة الماء والأملاح، وكذلك تنظيم ضغط الدم.
كما أنّ وظيفة الكلية في “الاستقلاب” أو ما يعرف بالتمثيل الغذائي، تجعلها في مقدّمة التدخّلات الوقائيّة والعلاجيّة، وفق تصنيف الأمراض المزمنة ذات الأولويّة التي تهتم بها البلدان على اختلاف اقتصاداتها ومستوى معيشة أفرادها، مما يمنحها أهميّة خاصّة في البحث العلمي، والتدبير الوقائي، والتدخّل العلاجي، نحو حفظ حق الإنسان في الصحّة، وبالتالي حقه في الحياة.
تعريف:
تصيب المتلازمة الكلائيّة الأطفال في جميع الأعمار، كما تصيب البالغين، وضمن هذا التفاوت العمري تتفاوت حدّة الإصابة، ونوعيتها.وفي هذا السياق غالباً ما تكون الإصابة بالمتلازمة الكلائيّة عند الأطفال من النوع الخفيف (Minimal Change Disease)، والذي تسهل معالجته في معظم الحالات. وفي المقابل تختلف حدّة الإصابة عند البالغين، وتكون على أنواع مختلفة، ونعرّفها بأنّها التهاب وتلف يصيب كبيبات الكلى ( Glomeruli )، والتي تعتبر الوحدة العاملة في الكلية. ويتسبب أي تلف في الكبيبات في فقدان الجسم لكمية كبيرة من بروتينات الدم ( الألبومين ) أو مايعرف بزلال البول ( Proteinuria) ، ولأكثر من 3,5 غرام في الأربع والعشرين ساعة مما يؤدي إلى انخفاض مستوى البروتين في الدم (Hypoalbuminemia)، وبالتالي انتفاخ الجسم ( Oedema ) او (احتباس السوائل). وفي بعض الأحيان يكون هذا الاضطراب مصحوباً بارتفاع ضغط الدم، وتدهور وظائف الكلى، وأحياناً يحدث فشلٌ كاملٌ ونهائيٌّ لعمل الكليتين (Chronic Renal Failure).
أنواع الإصابة :
تصيب المتلازمة الكلائيّة الذكوروالإناث على حد سواء، وتعتمد الإصابة على أسباب كثيرة، لنجد أن أهونها ما هو ناجم عن التهاب الكلى الطفيف (Minimal Change (Disease، وهو غالباً يصيب الأطفال ، وبنسبة تزيد على 80%، ولكن من الممكن أن يصيب البالغين كذلك، وبنسبة 20%.
أما أكثر حالات المتلازمة الكلائيّة خطورة، وأشدها تأثيراً على المصاب، فهي:
1- التهاب كبيبات الكلى الغشائي (Membranous Nephropathy)، وتصل نسبة الفشل الكلوي في هذه الحالة إلى 50%.
2- التهاب كبيبات الكلى المسراقي التكاثري(Membranoproleferative Glomerulonephritis) ، وهذا النوع نادراً ما يستجيب للعلاج بالكورتيزون.
3- التهاب الكبيبات البؤري المحوري ( Focal Segmental Glomerulonephritis ) وهو من الالتهابات اللتي أيضا لاتستجيب للعلاج بالكورتيزون ويختلف نوع الإصابة ومعدل انتشار المرض بحسب المنطقة الجغرافية.
الأعراض:
تبدأ الحالة لدى المصاب بأعراض عامة مثل فقدانه الشهية، والتعب، والإرهاق، وتورم الجفنين وخاصة عند الصباح الباكر (وقت الاستيقاظ)، وتورم القدمين، ووجود رغوة في البول، وأحياناً نقص في كمية البول إلى درجة انقطاعه نهائياً. وتتميّز المتلازمة الكلائيّة بتورّم الجسم عامّة وليس تورّم القدمين فقط، مع وجود سوائل في تجويف البطن والتجويف البلوري في الصدر، بالإضافة أيضاً إلى ارتفاع ضغط الدم أو انخفاضه ، وأحياناً يكون في معدّله الطبيعي. كما قد تحدث تخثّرات في الدم، وتحديداً في الأوردة، وخاصة أوردة الكليتين.
كما أنّ هناك أعراضاً أخرى قد يصادفها المصاب مثل تساقط الشعر وهشاشة الأظافر، كما يزداد احتمال الإصابة بالتهابات بكتيرية، نتيجة لفقدان الأجسام المضادة أو قلة إنتاجها (الأجسام المضادة تتكون من البروتينات).
وينبغي التنبّه إلى أنّ الإصابة بهذا الداء لدى البالغين تستوجب البحث عن أي أسباب ثانوية لهذا المرض، وذلك مثل الأمراض الآتية:
1- داء السكري؛
2- الداء النشواني (Amyloidosis)؛
3- أمراض مناعية مثل داء الذئبة الحمراء Systemic lupus erythematosus (SLE)؛
4- أمراض سرطانية؛
5- أمراض الأورام اللمفاويّة (Hodgkin disease)؛
6- الأدوية.
وغيرها من الأسباب الأخرى:
التشخيص:
يعتمد التشخيص أولاً على الأعراض والعلامات والتاريخ المرضي والنتائج المخبرية، وبهذا يتم تشخيص الحالة عامّة. غير أنّه ولمعرفة نوع الالتهاب ومسبباته فلابد من أخذ التشخيص المخبري أساساً لمثل هذه الحالات في الاعتبار، ويتم ذلك باستقصاء عيّنة من النسيج الكلوي (خزعة كلويه) ،وذلك لتحديد النوع ومن ثم البحث عن الأسباب الكامنة للمرض، وبالتالي الوصول إلى العلاج الأمثل للحالة.
ويتم اعتماد التشخيص المخبري للعيّنة المأخوذة من نسيج الكلية ليتم فحصها بواسطة المجهر العادي والالكتروني، وبإضافة الصبغات اللازمة ( Immunofluorescence and Stains) ).
المعالجة:
يستند علاج المتلازمة الكلائية لدى البالغين، وكما سبقت الإشارة، إلى تحديد المسببات والتعامل معها، وفي حال وجود مسببات ثانوية، فانه يجب اولا علاج المسببات والتي تسهم في حدوث المرض. اما إذا كان المرض ناتجاً أساساً عن أمراض أصابت الكلى فإن العلاج تكون غالبا من الكورتيكوستيرويد وعلاجات مثبطة للجهاز المناعي (Immunosuppressive Drugs
كما انه في بعض الحالات بل في معظمها يكون العلاج بواسطة إضافة مثبطات الإنزيم المحول للإنجيوتينسين (ACEI)، أو بواسطة حاصرات مستقبلات الانجيوتينسين (ARBs)، وقد يتطلّب استخدام المدرّات.
ويجب العمل على تبني برنامج للحمية الغذائية، من خلال تناول طعام قليل الدهون المشبعة، وقليل الصوديوم، ويحتوي على كمية مناسبة من البروتينات. وقد يحتاج المريض أحياناً إلى إجراء غسيل كلى اما مؤقت لفترة معينة او دائمة، وقد يتطلّب الأمر زراعة كلية.
الخلاصة:
لا شكّ أن الوقاية الأوليّة من الأمراض، ونعني بها تفاديها قبل وقوعها، أمر يصعب الاعتماد عليه في حالة المتلازمة الكلائيّة، نظراً لتنوّع أسبابها الأساسيّة والثانويّة كما تم تناوله. غير أن الوقاية الثانوية والثالثيّة ممكنة ولا شك، بل موصى بها. وتعني الوقاية الثانويّة العمل على منع تفاقم المرض، والوقاية الثالثيّة إعادة تأهيل المريض بعد وصوله إلى حالة الغسيل الكلوي أو الزراعة، وهي رعاية تلطيفيّة من شأنها تحسين جودة الحياة لجميع المرضى، وصولاً إلى تأمين الحق في الصحّة، كما استهلَّت هذه المقالة موضوعها. وهنا فإنّ الوقاية بعد الإصابة بالمتلازمة الكلائيّة أمرٌ يجتهد فيه المريض، بالتعاون مع طبيبه، ومقدمي الرعاية له، وأفراد أسرته، والمحيطين به. ولذلك نعتمد المعرفة سبيلاً إلى الحد من المراضة، والتخفيف عن المرضى، والحدّ من التداعيات المحتملة للمرض.
وتشمل هذه التداعيات إلى جانب ما تناولناه من ارتفاع ضغط الدم، وأمراض الكلى المزمنة، حدوث الجلطات، لا قدّر الله، مع عدم قدرة الكبيبات على تنقية الدم كما يجب، وزيادة مستوى كوليسترول الدم والدهون الثلاثيّة، وسوء التغذية بسبب نقص البروتين، وهي أعراض مقنّعة في حالة إصابة المريض بالتورّم، وقد يلازمها فقر الدم. كما أنّ المصابين بالمتلازمة الكلائيّة هم أكثر عرضة للالتهابات، مما يزيد في احتمالات إصابتهم بأمراض أخرى تتفاوت خطورتها.
وهنا لا بد من التأكيد على الالتزام بالمتابعة الطبيّة، والخطّة العلاجيّة، والحمية الغذائيّة، والنشاط البدني، نحو تحقيق أعلى قدر مأمول من الصحّة بإذن الله، ومن أجل حياة مطمئنة جسداً وعقلاً وروحاً، وهذا حق للجميع ومسؤولية لا بد أن نفي بها كلنا، دون استثناء.
______

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.