اللعب عند الأطفال

 

د.منى بنت علي الحمود

حدارجا..بدارجا،”نغمة خاصة”

شبرا..أمرا..شمس نجوم..كواكب هوا ..” هي ليست طلاسم من الشعوذة أو طقوس من غياهب المجهول، لكنها ترانيم عذبة كانت ترددها الفتيات الصغيرات والكبيرات، عندما تتطاير خصلات شعرهن بخيلاء أمام بعضهن البعض متمايلات بكل نشوة تخالطها نفحات من الغرور بأنوثتهن وهن يقفزن فوق الحبل الذي يدور حولهن مرات ومرات مثبتا بكل دورة رشاقتهن وخفتهن. كانت تلك هي معرفتي عن كلمات هذه اللعبة الشعبية القديمة، إلى أن جاءت تلك المقولة التي ألقت في روع هذه اللعبة الكثير من الخوف والتساؤلات عندما قيل “بأنها كلمات لمناداة على أسماء الشياطين أثناء لحظات المرح هذه”.. مع يقيني التام بوضوح هذه الكلمات وأنها لا تمت لهذه المقولة بصلة من قريب أو حتى من بعيد، وإنما هو قمر تتطلع إليه الفتيات الصغيرات ليلاعبهن بسحر عينه، ونجوم مضيئة تلمع أمامهن حفاوة بنشوتهن، بل دعني أقولها بكل اختصار إن لم تكن هذه الكلمات تنطوي على تفكر في مخلوقات كونية عظيمة فماذا عساها أن تكون إذا!! .. لكنه وبالرغم من دفاعي هذا ..إلا أن هذه اللعبة وترانيمها بدأت بتوديعنا يوما بعد يوم، وكأنها قد انكفأت على ذاتها حزنا،أوأنها لم تعد تجد لها مساحة بين أطفالنا، وإن وجدت فهو من المحزن مكان يعج بترانيم غريبة عنها!!..ولايسعني إلا أن أقول: “كانت سيدة الألعاب الحركية في عصرها”.

وما دمنا نتحدث في مضمار الترانيم واللغة، تشير العديد من الدراسات إلى وجود أثر إيجابي وعلاقة ارتباطية موجبة بين استغراق الأطفال باللعب وتطور المفاهيم اللغوية والطلاقة الفكرية لديهم، من خلال تفاعلهم الاجتماعي المشترك أثناء اللعب، وتنمية القدرة على الاستكشاف وخوض التجارب الاجتماعية غير الفردية، مما ينمي لديهم حب الاستطلاع والتفكير والإدراك، والتي من خلالها يكتسبون اللغة والتعبير وتتطور لدية بنية المفاهيم والتراكيب؛ فاللغة بلا منازع هي أهم أدوات التواصل الاجتماعي المباشر وغير المباشر،كما بشرت نتائج دراسات أخرى بالنجاح الأكاديمي للأطفال الأكثر لعبا، فللعب دور مهم في تطوير العديد من المهارات الأكاديمية كالقراءة والكتابة والتعبير،ومن جانبها أوصت العديد من الدراسات بالعديد من الاستراتيجيات لتطوير اللغة من خلال اللعب منها: السماح للطفل بقيادة مواقف اللعب، وتبادل الأدوار، وتمثيل الأدوار وهي التي قد يمارسها الطفل بكل طلاقة من خلال اللعب الايهامي حتى ولو بمفرده، الاهتماما بلغة الجسد والتواصل غير اللفظي، تعريض الطفل لمفردات جديدة أثناء اللعب كاستخدام ألعاب الكلمات أو الأغاني وترديد الأهازيج والتفاعل معها.

غير أن فوائد اللعب في حقيقة الأمر تتعدى تنمية اللغة فحسب لتصل إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تبنت العديد من النظريات والدراسات المفسرة للعب فلسفة ضرورة اللعب على أنه حاجة ملحة للترويح والاستجام، والتنفيس عن الطاقة الزائدة كما أنه وسيلة للتعلم والإعداد للحياة والتدرب على المهارات، وعليه ينظر العديد من العلماء لاسيما علماء النفس والتربية ومن أبرزهم “جان بياجيه”(: Jean Piaget -1896 1980)،والذي أشار إلى أن اللعب هو الوسيط الذي يحدث من خلاله النمو العقلي والأخلاقي عند الطفل، كما يعد اللعب مطلبا أساسيا للنمو الجسدي، والنضج الوجداني والانفعالي من خلال إحداث التوافق بين حاجات الطفل وما يجب أن يكتسبه، فاللعب يهذب أنانية الطفل الفطرية وينأى به عن ضيق الأفق في المراحل المتقدمة، هذا إلى جانب دور اللعب في تنمية الخيال والإبداع حيث يندمج الطفل بعالمه المحيط به ويخلق له سيناريوهاته، كما يساهم اللعب في السيطرة على عديد من مخاوف الطفل ويجيب على الكثير من تساؤلاته من خلال التجريب وتقمص أدوار الكبار كذلك، إلى جانب أهم باعث على اللعب وهو المتعة وتكرار الخبرات السارة.

وعن أنواع الألعاب فهناك العديد منها، لكني سأصنفها إلى قسمين رئيسين هما: الألعاب الحركية، وغير الحركية، والأخيرة تشمل ألعاب الورق والشطرنج والألعاب الإلكترونية غير الحركية، وسواء كانت الألعاب حركية أم غير حركية منظمة أم حرة، فهناك ما يجب أخذه بعين الاعتبار عند ممارسة اللعب:

– الأمان بأن تكون آمنة بذاتها وأيضا في المكان الذي تمارس فيه، فالكرة آمنة لكن قد يكلف ممارستها في مكان غير آمن الكثير، وهذه الخاصية ذات أهمية حتى في الألعاب الحرة.

– مناسبة اللعبة لعمر الطفل.

– أن يشارك الطفل في اختيارها، ومن الممكن أن يترك للطفل حرية اختيار أكثر من لعبة ثم بعد ذلك يعمل ترشيح لأنسبها من وجهة نظره، وهنا ننمي في الطفل الثقة في اختياراته وتحمل نتائج قراراته.

– الموازنة ما بين الألعاب الحركية وغير الحركية،وعلى الرغم من كون اللعب حق عالمي منصوص عليه لدى منظمة الأمم المتحدة، إلا أن إدمان الألعاب غير الحركية والاكتفاء بها فقط، وعلى رأسها الألعاب الالكترونية، قد يوقع الطفل في مصيدة العديد من الأمراض الصحية والنفسية، وتنقلب اللعبة من “مرح إلى ترح” كما يقال؛ فالدراسات أشارت ولا تزال تسفر عن التداعيات السلبية لمثل هذه الألعاب إذا لم يؤخذ أمرها بعين الاعتبار بجدية.

– إدارة وقت اللعب، وتعويد الطفل شيئا فشئا على قيادة إدارة وقته بنفسه.

– ربط الطفل بإرثه الشعبي الثقافي،من خلال إثراء معرفته بالألعاب الشعبية في مجتمعه، وألفاظها اللغوية ومضامينها. وبالمقابل زيادة حصيلته الثقافية بتعريفه على الألعاب من ثقافات أخرى وتنبيهه لأوجه التشابه والاختلاف الثقافي من باب المعرفة لا من باب المفاضلة، ليساعد ذلك في ردم فجوة اختيار الأطفال لبعض الألعاب التي قد لا تتناسب مع رموزهم الثقافية، والتي من أهمها الدين واللغة؛ فمنع الأطفال كما يراه البعض ليس هو الحل المثالي أمام ذلك:

– يمكن للمربين أثناء اللعب أن يرسلوا العديد من الرسائل الأخلاقية لذهن الطفل بطريقة غير مباشرة، كما يمكنهم الكشف أثناء اللعب عن العديد من المشكلات التي قد لا يستطيع الطفل التعبير عنها مباشرة.

– ترك أكبر مساحة حرية ممكنة للطفل أثناء اللعب حتى يكون خبرة إيجابية سعيدة تحرره من الواقع.

– إدخال عنصر الحيوانات الأليفة في اللعب، لما لذلك من أثر إيجابي على صحة الأطفال النفسية كما أشارت لذلك العديد من الدراسات التي برهنت على أثر اقتناء الطفل لحيوان أليف على توازنه وصحته النفسية.

– البعد عن كبح مشاعر الطفل، كالبكاء عند الخسارة في اللعب أو الوقوع والألم.. ونحوها.

– أن لا تكون الألعاب فقط وسيلة “لتسكيت” الأطفال وإبعادهم عن أجواء الكبار والذين قد يتمنى بعضهم أن يكون أطفالهم مع هذه الألعاب حتى نومهم.

في نهاية مقالي هذا.. وجدت نفسي أقف أمام حالة من التجرد وأنا اترنم بـ “حدارجا.. بدارجا.. يا كل عين سارجه…”، وهي التي قال عنها د.عبد العزيز الخويطر في “وسم على أديم الزمن”، الذي كان يطرح فيه الأقوال التي كانت تسود في “عنيزة” قديما، فقال عنها: أنها نوع من الأهازيج أو مقطوعات السجع التي كنا نرددها عندما نلهو، ولها نغمة خاصة تنحدر من جيل إلى جيل، وبالرغم من عدم ترابط أجزاءها إلا أن لها لجن شجي ينسي كل ما عداه .. فماذا عساي أنا أن أكتب عن هذه اللعبة !!.. والتي كانت تلعبها أصابع معطرة برائحة الحناء وهي تعد تأرة وتزيح “البخنق” تأرة أخرى لتكمل العد .. لتخفي بعد ذلك اليد بأكملها عن ساحة اللعب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.