السذاجة مع الوالدين !

 

عايض بن محمد العصيمي

ليس من البر ولا من الأدب : تصوير الوالدين في مقاطع مضحكة ، وجعلهم محلاً للسخرية والضحك والتهريج بين الناس ؛ وجعلهم مصدراً للفكاهة وضحك المتابعين ، واللهث وراء الشهرة على حساب : قلة الأدب مع الوالدين للأسف ! بعد أن تم انتهاز غفلتهم وعورتهم في : جلسة ، أو حديث ، أو أكل، أو شرب، أولبس خاص يلبسه في البيت أوغيره ؛
إذ أن لكل شخص خصوصية يتمتع بها في بيته وجلوسه ومزحه مع أبنائه وبناته وأحفاده وذرية بيته.
وهذه الظاهرة : الجديدة الغريبة السيئة على مجتمعنا ، جاءت مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي مع جيلنا الجديد ( أصلحه الله ) لم تكن في مجتمعنا الأول الذي فرض على الجميع احترام الوالدين وتقديرهم .
ومن التفاهات بمكان أن وصل الحال ببعضهم أنه ينبه ويعلن لمتابعيه أنه : دخل على أحد والديه وأنه سيقوم بعمل مقلب أو طقطقه على والدته أو أبيه ، أو عمل مقابلة ساذجة مع أحد والديه ، ونشر ذلك كله لغرض الضحك والسخربة !
سؤالي : كيف يتجرأ هذا وأمثاله أن يفعل ذلك ؟! وأن يصور ويضحك ويضحك الناس على والديه لزيادة شهرته ومتابعيه ؟! ..كم ينقصنا الأدب مع الوالدين ؟!
للأسف أغلب هذه المقاطع الرخيصة أخلاقياً قد يكون فيها وقعٌ على قلب والديه وأقاربه ومحبينهم ؛ الذين يرون لوالديهم المكانة العظمى ، والمنزلة العالية ، والتي اسقطها هذا الابن أو الحفيد بتصويره وسخفه ! فهذا الأسلوب الشوارعي (عذراً) لا يجوز وغير لائق مع الوالدين.
لا ينبغي لنا جميعاً أن نجعل والدينا مادة إعلامية دسمة يشاهدها العالم للضحك والسخرية والاستخفاف والتصوير السخيف ونشر صورهم ومقاطعم في برامج التواصل الاجتماعي ليسخر منهما العالم !
ومما يزيد القلب كمداً وحسرة : أن بعضاً من أبنائنا وبناتنا يحترم الغريب أو الصديق أشد احتراماً من والديه ، وقد يظهر أمام متابعيه بتصويره أنه بار بوالديه بتقبيل يديه أو راسه أو الحديث معه بمقطع مبتذل وممقوت ، واظهار البر والمعروف والعلاقة المصورة مع والديهما وكأنه معروف يقدموه للوالدين ، ولا يعلموا أنه أدب وواجب ملزمون به شرعا وعرفا :
(وبالوالدين إحسانا)،(وقضى ربك آلا تعبدوا إلا إياه).
أمك وأبيك : هم تاج رأسك وشرفك وعزك وأغلى مالديك في هذا الكون الذي تتنفس فيه !
أسألوا : من فقد والديه بماذا يحس ؟! وماذا يتمنى؟!
هناك مقاطع كان الواجب فيها أن تنشر ولا تكون !! وهي غير قابلة للنشر !!
اعلم : أن ضحكك ومداعبة والديك ومزاحك معهما في جوها العائلي المعهود ينبغي أن لا يطلع عليها الناس ؛ ولا يشاهدها أحد !
ومن الصور السيئة كذلك للعقوق : تصحيح وتصوير أخطاء الوالدين أمام كمرته لمتابعية والضحك عليهما في كلمة لا يحسن نطقها والده ، أو أمر لا يعرفه ، ويخرجه للناس : جاهل رجعي ! لا يعرف شيء في زمنه ! مع مزح ساقط في قوله وفعله !
وليس كذلك : من الأدب مع الوالدين أن تكون في حضرتهم : ( الحاضر الغائب ) تتحدث معهم بجسدك دون قلبك وشعورك ! منشغل عنهما في هاتفك وخصوصياتك ! استمع وانشد وركز جيداً لحديثهم ( وسواليفهم ) ولو أعيدت لك ألف مرة .. اضحك لنكتتهم ولطرفتهم وإن لم ترق لك تلك الطرفة والحكاية ، فأنت تفعل ذلك مرات مع أصدقائك ومحبيك !! هذا كله من البر والإحسان ، اشعرهم بالبر والصلة والعطف واللطف والحنان والآمان.
هذا كله من العقوق وسوء وقلة الأدب والمعروف ، فلا يجوز الضحك والسخرية على صدور خطأ من والديك.
لذا اقترح على الجهات المختصة المسؤولة : أن تضع حداً لهذه السخافات ، ولحفظ حقوق الوالدين وكبار السن من طيش السفهاء ، وإلزام الجميع بتقديرهم واحترامهم وإنزالهم منزلتهم اللائقة بهم ، فكما أن هناك حقوق للأطفال وجمعيات لحمياتهم ، فكذلك حبذا لو وضعت أنظمة ولوائح للحد من هذه السلوكيات الخاطئة مع كبار السن وحفظاً لكرامتهم وحقوقهم المنتهكة من سفهاء المجتمع.
وليعلم ويتعلم ويقرأ الجميع جيداً بكامل أطيافه ( أبناء وبنات ، طلاب وطالبات ، معليمن ومربين وخطباء وإعلاميين .. ) : أن حقوق الوالدين ليست حقوق نظرية صورية شكلية تدرس فقط في الكتب ، وتسمع في المساجد ، ولا تطبق في أرض الواقع ، ( لا ) بل هي أعمق وأدق ؛ هي منهج حياة وأصل فطري خلقه الله وأوجده في كل مخلوقاته ، والسعيد من أحسن الأدب مع والديه.
واعلم أن : البر لا يبلى ، والذنب لا ينسى ، والديان لا يموت ، اعمل ما شئت ،فكما تدين تدان ، والجزاء من جنس العمل ، ولا يظلم ربك أحدا.
اللهم ارحمهما كما ربياني صغيرا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.