الانتماء الوطني ونظام التستر الجديد

 

سلمان بن محمد العُمري

المجتمع الصالح كتلة متجانسة في النظم والحقوق والواجبات والمسؤوليات، والإعلام هو جزء وعضو مهم في بنية المجتمع ومنظومته، ولا يبلغ البنيان تمامه إلا مع تكامل كافة عناصره ومن أركانها الرئيسة الإعلام فهو العين البصيرة في مرحلة التخطيط والبناء والمتابعة وهو أس التكامل.

وإيماناً بمسؤولية الإعلامي والكاتب ضمن دائرة منظومة المجتمع فهو يتلمس دائماً كل ما يهم مصالح المجتمع والفرد على حد سواء وخاصة فيما يتعلق بالثوابت الدينية والوطنية التي يجب عدم المساس بها، إلى جانب الكرامة الإنسانية وحماية الإنسان من كل ما يضر بمصالحه والعمل على ترسيخ المفاهيم الإيجابية في كافة نواحي الحياة وعدم مجاوزة الحد والنظام في كل الأمور، والقصد والاعتدال في كل مناحي الحياة.

ويسعد الكاتب حينما يجد صدى طيباً في كتاباته ليس على المستوى الشعبي العام لدى كافة فئات المجتمع بل حتى على مستوى المسؤولين، حين تتلقى جواباً كتابياً تعقيبياً، أو مكالمة هاتفية من مسؤول يبين لك بعض النقاط التي تناولتها في كتابك إما مثنياً عليها أو مبرراً لبعض الملحوظات، وأمر أبلغ من ذلك وأكبر حينما يخبرك المسؤول أن ما طرحته سيكون محل الدراسة والاهتمام، والمحصلة الكبرى والفرحة العظمى يوماً ترى نظاماً تم سنه، وقراراً تم اتخاذه يتضمن مقترحاً قدمته فهنا تكون السعادة أكبر لا لأنك الكاتب بل لما ترجوه من استفادة المجتمع مما تم إقراره، فالمصلحة العامة يجب أن تغلب على المصلحة الشخصية.

ومن فضل الله عز و جل أنني بادرت في الكتابة في عدة موضوعات نالت العناية والاهتمام من جهات الاختصاص، وتم تبني المقترحات وتم دراستها في مجلس الشورى، وفي الجهات المعنية وجرى اتخاذ القرارات السامية بها، وآخرها وليس آخر المقترحات بإذن الله ما صدر بشأن النظام الجديد لمكافحة التستّر الذي أقرّه مجلس الوزراء، وأهمية الموضوع باعتباره قضية وطنية اجتماعية واقتصادية وأمنية تناوله عدد من الزملاء الكتاب، وصدور هذا النظام الذي شدد على مراقبة ومتابعة جميع الأنشطة الاقتصادية التي يشترط لممارستها الحصول على موافقات أو تراخيص من الجهات المختصة، لهو القرار المبهج لكل غيور على وطنه.

وبين النظام أن الرقابة والمتابعة لحالات اشتباه جرائم التستر لا تقتصر فقط على الأنشطة التجارية بل تشمل الأنشطة الاستثمارية والخدمية والمهنية والصناعية والزراعية وغيرها، كما مَكّن النظام والقرار الجهات الحكومية ذات العلاقة من ضبط جرائم ومخالفات التستر إلى جانب وزارة التجارة، كما منح الجهات صلاحية الاستعانة بالتقنية لإثبات جرائم ومخالفات التستّر التجاري عبر «الأدلة الإلكترونية»، إضافة إلى طرق الإثبات الأخرى.

وأقرّ نظام مكافحة التستّر الجديد آليات تسهم في التضييق على منابع التستّر والقضاء على اقتصاد الظّل، حيث اشتمل على عقوبات مغلّظة تصل إلى السّجن خمس سنوات، وغرامة مالية تصل إلى خمسة ملايين ريال، وحجز ومصادرة الأموال غير المشروعة لمرتكبي الجريمة بعد صدور أحكام قضائية نهائية في حقهم، وإغلاق المنشأة وتصفية النشاط وشطب السجّل التجاري ومنع المدان من ممارسة أيّ نشاط اقتصادي لمدة خمس سنوات، وإبعاد المُتسَتَّر عليهم عن المملكة وعدم السماح لهم بالعودة إليها للعمل.

وقد كتبت في هذه الزاوية قبل ثلاثة أعوام مطالباً ببرنامج وطني لمكافحة التستر التجاري، وقلت: التستر على المخالفين للإقامة النظامية أو التستر التجاري ليس خيانة للوطن والأمانة فحسب بل هو ضرب من ضروب الفساد لأنه مع مخالفته للأنظمة يتسبب في أضرار أمنية واقتصادية واجتماعية، والعاملون من المقيمين بصورة غير نظامية يشارك في التستر عليهم من يأويهم في الإسكان، ومن ينقلهم، ومن يعملون تحت مظلة مؤسسته أو يعملون لديه بصفة مباشرة، وكذلك الحال لمن يستقدم عمالة ويجعلون من صاحب المؤسسة مطية وجسراً لأعمالهم التجارية غير النظامية بحيث يبقى السجل والاسم للمالك السعودي والمغنم والأرباح والبيع والشراء تصب في جيوب هذه العمالة.

وأكدت على ترسيخ مفهوم الرقابة الذاتية والخوف من الله عز وجل، وتعزيز الولاء للوطن والمجتمع وعدم ابتذالهما والتأثير عليهما بما يضرهما في أي مجال أمني أو اقتصادي أو اجتماعي. فالتستر والخيانة وإضاعة الأمانة لا تتفق والإيمان الصادق، وصدق الولاء للوطن، ولابد من التوعية الدائمة في المناهج والتربية، ووسائل الإعلام والخطباء، والتأكيد على حرمة ذلك شرعاً ونظاماً، وأنها خيانة وتكسب غير شرعي للمسهل والمتعدي والمتجاوز، وأن ذلك يتنافى والخوف من الله، ولا يتوافق مع صدق الانتماء الوطني.

وطالبت بالحزم والعزم في الأسواق التجارية وتشديد الرقابة، وتعاون الجميع، ودمج الرقابة الحكومية مع عمل مؤسسي للمجتمع المدني، وأن يكون هناك لجان مفعلة زيادة على ما يوجد في بعض الإمارات من لجان تجتمع في المكاتب فقط، فهذه اللجان نتاجها غير ظاهر للعيان ولم تحقق التطلعات، ولم تحجب وتحد من المخالفات والتجاوزات، ولاتزال تمارس دورها على استحياء، ولا تبادر بالتفتيش والمراقبة والتحقق من البلاغات والشكاوى التي تصلها، ولا بد من الصرامة واتخاذ إجراءات رادعة للمخالفين.

والآن صدر هذا النظام الجديد وننتظر أعماله ونتائجه، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.